رأي

إجتماع لجنة متابعة الاداء الاقتصادي .. هل تتحول المدفوعات الرقمية إلى رافعة لاستقرار الاقتصاد؟

 

د. مروة فؤاد قباني **

يأتي الاجتماع الدوري للجنة متابعة الأداء الاقتصادي، برئاسة عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق مهندس إبراهيم جابر، بمقر بنك السودان المركزي يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026،في توقيت يواجه فيه الاقتصاد السوداني تحديات تتعلق بشح النقد الأجنبي، وتراجع الموارد، واتساع النشاط خارج المنظومة الرسمية. وقد ناقش الاجتماع ملفات مهمة تشمل جذب مدخرات المغتربين، وحصائل الصادر، وتوسعة المظلة الضريبية، والتحصيل الإلكتروني، والنافذة الموحدة بالموانئ والمعابر، والتعاون التجاري مع جنوب السودان.

ورغم أهمية هذه الملفات، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في مدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في استقرار سعر الصرف وتحسين الموارد الاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بمتابعة الإجراءات والتكليفات.

وتبرز هنا مفارقة تستحق التوقف؛ إذ تشير بيانات شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) إلى نمو التحويلات عبر رقم الحساب المصرفي الأساسي (BBAN) بنحو 52% وفق المقارنة المنشورة، مع تجاوز المعاملات 234 مليون عملية. وهو مؤشر يعكس توسع استخدام الخدمات المصرفية الرقمية رغم ظروف الحرب.

لكن نمو المعاملات الإلكترونية لا يعني بالضرورة زيادة تدفقات النقد الأجنبي، خاصة أن جانباً كبيراً منها يتم بالجنيه السوداني وداخل النظام المصرفي المحلي. ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من رقمنة التحويلات إلى توظيف التكنولوجيا في استقطاب مدخرات المغتربين وتسهيل التحويلات الدولية.

ويمثل المغتربون مورداً استراتيجياً مهماً، إذ تشير تقديرات تاريخية إلى أن تحويلاتهم كانت تقترب من 3 مليارات دولار سنوياً قبل الحرب. لكن استعادة هذه الموارد تتطلب بناء الثقة في المصارف، وتقديم أسعار صرف جاذبة وشفافة، وخفض رسوم التحويلات، وتطوير حسابات ومنتجات ادخارية واستثمارية بالعملات الأجنبية، مع تسهيل فتح الحسابات وإدارتها إلكترونياً من الخارج.

وتزداد أهمية هذا الملف عند النظر إلى الميزان التجاري؛ فقد بلغت الصادرات السودانية نحو 1.816 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل واردات بنحو 4.517 مليار دولار، بعجز تجاري بلغ 2.701 مليار دولار. كما استحوذ الذهب على نحو 62.5% من الصادرات، الأمر الذي يكشف الحاجة إلى تنويع القاعدة التصديرية وتعزيز مساهمة الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية.

وهنا يصبح ملف حصائل الصادر محورياً، فزيادة الصادرات لا تحقق أثرها الكامل ما لم تدخل عائداتها عبر القنوات المصرفية الرسمية، مع معالجة فجوة سعر الصرف ومكافحة التهريب وتوفير الحوافز للمصدرين.

أما التحصيل الإلكتروني وتوسعة المظلة الضريبية والنافذة الموحدة، فهي أدوات مهمة لتعزيز الإيرادات وتقليل الفاقد المالي وتخفيض تكلفة التجارة، شريطة ألا تتحول زيادة الإيرادات إلى أعباء إضافية على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، وأن يصاحبها تكامل حقيقي بين قواعد بيانات الجمارك والضرائب والمصارف والجهات الحكومية.

كما يمثل البروتوكول التجاري مع جنوب السودان فرصة لتنشيط التجارة الإقليمية، لكنه يحتاج إلى آليات واضحة للتسويات المصرفية وتسهيل حركة السلع والمعاملات المالية بين البلدين.

إن الملفات المطروحة أمام لجنة متابعة الأداء الاقتصادي تحتاج إلى رؤية متكاملة تربط السياسات النقدية والمالية والتجارية بالتحول الرقمي، مع وضع مؤشرات أداء تقيس حجم مدخرات المغتربين المستقطبة، ونسبة حصائل الصادر العائدة، والإيرادات المحصلة إلكترونياً، ونمو المدفوعات الرقمية.

** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى