الجغرافيا كخدمة: كيف حوّلت بورتسودان الرصيف العسكري إلى صومعة قمح

محمد الشاطر الأمين الحسن
قبل انعقاد القمة الروسية الأفريقية الثالثة، كتبت وكالات الأنباء العنوان سلفاً: بوتين يضغط لنيل قاعدته في البحر الأحمر. وأعدّت مراكز البحث في واشنطن تقارير عن الخطر الروسي، وانقسم الرأي في الخرطوم وبورتسودان بين من يعدّها ضمانة حماية ومن يراها صفقةً سامة. غير أن ما جرى في الكرملين كان جواباً عن سؤال آخر لم يطرحه أحد.
فالبرهان لم يفتح ملف القاعدة المجمّد منذ عام 2020. لم يطلب منظومة دفاع، ولم يعرض اتفاقاً لخمس وعشرين سنة بثلاثمئة جندي. بل عرض منطقة تجارة حرة روسية في البحر الأحمر لتخزين القمح والوقود، مرتبطة بشبكة سكك حديدية، ومعها عقود تعدين نظامية. وهنا انتقل الملف من خانة الدفاع إلى خانة الاستثمار. وهذا ما أسميه الجغرافيا كخدمة (GaaS).
في الاقتصاد الحديث ثلاثة نماذج لتوظيف الموقع: النموذج الريعي أن تبيع الأرض أو تؤجر القاعدة لقاء إيجار سنوي. وهو نموذج جيبوتي. تربح الدولة الإيجار وتخسر السيادة. والنموذج الاستعماري أن تمنح شركة أجنبية امتياز تعدين أو ميناء بلا رقابة. تربح الشركة وتخسر الدولة المورد. أما النموذج الثالث فهو الجغرافيا كخدمة (GaaS). فأنت لا تبيع الأرض ولا تؤجر القاعدة، بل تبيع خدمة لوجستية مدفوعة: تخزيناً وطحناً ونقلاً وتزويداً. الأرض سودانية، والشركة المشغّلة مدنية مسجلة في السودان، والفاتورة تدخل بنك السودان، والعقد تجاري يحكمه القانون السوداني. وهو النموذج ذاته الذي قامت عليه قناة السويس وميناء سنغافورة.
وفي قاموس الأعمال هناك ما يسمى بالصفقة السامة. تكسبك اليوم وتضيّق عليك الخناق غداً. وقاعدة عسكرية روسية في البحر الأحمر صفقة سامة بامتياز. تمنحك رصيفاً وتخسرك البنك الدولي وصندوق النقد وغطاء مجلس الأمن. والسودان في حرب وجود لا يحتمل هذا الثمن، وروسيا المستنزفة بحرب أوكرانيا لا تملك ترف تمويل قاعدة جديدة.
لذلك اختارت موسكو لهذه القمة شعاراً مختلفاً: روسيا وأفريقيا: اقتصاد أولاً. والاسم الرسمي هو المنتدى الاقتصادي والإنساني. فبوتين في الافتتاح لم يتحدث عن السلاح، بل عن الحبوب والأسمدة وأنظمة الدفع بلا دولار. بينما جاء القادة الآخرون يطلبون قمحاً مجانياً، جاء السودان يمنح روسيا ما تبحث عنه منذ ثلاث سنوات. فروسيا اليوم قوة عظمى بلا مخزن آمن. وجزء كبير من صادراتها الجديدة يتجه شرقاً عبر البحر الأحمر وقناة السويس بعد العقوبات. وقاعدتها الوحيدة في المياه الدافئة في طرطوس باتت مهددة، ومضيق هرمز أمسى مسرح مواجهة. وقد حاولت موسكو التخزين في اليمن وجيبوتي وبربرة ومصوع فأخفقت. وهي لا تحتاج مكاناً تطلق منه الصواريخ، بل مكاناً آمناً تخزن فيه قمحها ونفطها وتبيعه لإفريقيا.
وبورتسودان وحدها تملك المفتاح: ميناء عميق، وسكة حديد قائمة، ومساحة صحراوية شاسعة، وقرار سيادي مستقل. وما طُرح هو منطقة حرة تديرها شركات مدنية روسية. تصبح بورتسودان بموجبه نقطة الوصول الرئيسية لروسيا إلى المياه الدافئة، بلا لافتة عسكرية، بل مركزاً لوجستياً. وهنا مكمن الذكاء القانوني. فمخزن وقود في منطقة حرة يزوّد سفينة تجارية هو عمل تجاري. ومخزن قمح يطعم السكان هو عمل إنساني. ورادار تديره شركة خاصة لحماية المنشآت هو استثمار. وهي ذات أهداف القاعدة العسكرية، لكن بغلاف مدني يصعب معاقبة السودان عليه. وهذا ما جعل بوتين يلتقط الرسالة فوراً. ففي لقاء الكرملين الثنائي قال للبرهان: السودان شريك مهم بالنسبة لنا، نحتفل بسبعين عاماً على العلاقات، وتعاوننا ينمو رغم النزاع. لم يقل بوتين حليفاً عسكرياً، بل قال شريكاً مهماً. وهي ترقية كاملة في قاموس الكرملين من خانة التهريب مع مجموعات إلى خانة الدولة والعقد الرسمي.
والعرض يحمل جدوى مزدوجة: رسالة إلى موسكو تعالوا خذوا الذهب بعقد دولة وفاتورة رسمية تدخل بنك السودان بدل التهريب عبر الحدود. وخذوا مخزناً آمناً تبيعون منه قمحكم ووقودكم لإفريقيا. ورسالة إلى واشنطن والقاهرة والرياض هذه ليست قاعدة. هذه صوامع قمح بمليون طن، جزء منها احتياطي مجاني للسودان يغطي البلاد شهرين لو توقف الاستيراد، وخزانات وقود بخمسمئة ألف طن تمنع شلل الدولة لو قصفت المصفاة، وسكة حديد بورتسودان عطبرة بتمويل استثماري يرفع دخل المزارع بنسبة عشرين في المئة ويخلق ثلاثة آلاف وظيفة مباشرة، ومحطة كهرباء بمئة وخمسين ميغاواط تحل أزمة بورتسودان.
حتى لا تتحول الجغرافيا كخدمة إلى صفقة سامة جديدة، لا بد من أربعة ضوابط: أولاً مخاطر العقوبات. الضابط تسجيل الشركات في السودان، وفتح حساباتها في بنك السودان، ونشر عقودها عقوداً تجارية علنية. ثانياً مخاطر السيادة الأمنية. الضابط تحديد العقد بأن التزويد للسفن التجارية والإنسانية فقط، وأن أي تزويد عسكري يحتاج موافقة مجلس السيادة. ثالثاً مخاطر الاقتصاد الريعي. الضابط ربط المنطقة الحرة بشرط تصنيعي: ثلاثون في المئة من القمح يطحن في السودان، وخمسون في المئة من العمالة سودانية، وعائد الذهب يدخل الموازنة. رابعاً مخاطر الداخل. الضابط أن تكون ملكية الأرض سودانية مئة في المئة، والإدارة تشغيلية فقط، والعقد لعشر سنوات قابلة للتجديد لا لخمس وعشرين سنة.
إن البرهان لم يرفض القاعدة الروسية، بل أفرغها من سمّها. نزع عنها البزة العسكرية وألبسها بدلة المستثمر الاقتصادي، ونقلها من ملف عالق في أروقة وزارة الدفاع إلى ملف حي في صندوق الاستثمار المباشر الروسي. كان الجميع ينتظر أن يسمع دوي المدافع في بورتسودان، فإذا به يسمع أزيز ماكينات الطحين وصفير قطار القمح. وهذا هو قلب الطاولة الحقيقي: أن تجعل خصمك لا يستطيع معاقبتك، وشريكك لا يستطيع رفضك، وشعبك لا يشعر أنك فرطت في سيادته. ففي موسكو لم يمنح السودان روسيا قاعدة، بل منحها فرصة للبقاء قوة اقتصادية في المحيط الهندي، ومنح نفسه فرصة للبقاء دولة تملك قرارها وتوظف جغرافيتها بدل أن تدفع ثمنها كل يوم.



