رأي

دعم القطاع المصرفي السوداني.. ماذا ننتظر من الحكومة؟

 

 

إعادة بناء الجهاز المصرفي مسؤولية مشتركة تتطلب الاستقرار الاقتصادي واستعادة الثقة وتوفير بيئة مناسبة للتمويل والاستثمار.

 

د. مروة قباني **

 

 

 

في خطوة تعكس الاهتمام الحكومي بملف إصلاح القطاع المصرفي، ترأس عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق مهندس إبراهيم جابر اجتماعاً موسعاً لقيادات الجهاز المصرفي بمقر بنك السودان المركزي، بحضور محافظ البنك المركزي آمنة ميرغني حسن التوم، لمناقشة مستقبل القطاع المصرفي ومتطلبات تطويره وتحديث بنيته التقنية والمالية.

 

وتركزت مخرجات الاجتماع على تحقيق تحول رقمي شامل، وتسريع تشغيل المحول القومي للمدفوعات، وتطوير التطبيقات المصرفية، وربط الأنظمة المصرفية بمنصة «بلدنا»، إلى جانب تقوية رؤوس أموال المصارف بنهاية عام 2026، والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال ومعايير بازل. كما تناول الاجتماع معالجة ملف حصائل الصادرات ومنع تسربها خارج البلاد، وتوجيه الموارد المصرفية نحو تمويل الإنتاج والصادرات، ومعالجة التحديات المرتبطة بالودائع المصرفية.

 

وتعكس هذه التوجهات إدراكاً لأهمية القطاع المصرفي في دعم التعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. غير أن نجاح هذه الأهداف لا يتوقف على القرارات والتوجيهات وحدها، وإنما يرتبط بمدى توافر الدعم الحكومي والبيئة الاقتصادية والتشريعية التي تمكن المصارف من تنفيذها.

 

وهنا يبرز السؤال: ماذا ننتظر من الحكومة لدعم القطاع المصرفي؟ وهل تستطيع المصارف وحدها تحمل تكلفة التعافي وإعادة البناء، في ظل اقتصاد يعاني من اختلالات كبيرة وتراجع النشاط الإنتاجي والاستثماري؟

 

لم تعد أزمة القطاع المصرفي السوداني مرتبطة فقط بالخسائر التي خلفتها الحرب، أو الأضرار التي لحقت بالمباني والفروع والأنظمة المصرفية، وإنما أصبحت جزءاً من أزمة اقتصادية أوسع أثرت على المدخرات والسيولة والاستثمار وثقة المواطنين في التعامل مع المصارف.

 

ومن المهم إدراك أن إصلاح القطاع المصرفي لا يبدأ من المصارف وحدها، وإنما من إصلاح البيئة الاقتصادية التي تعمل فيها. فالمصرف يحتاج إلى استقرار نقدي ومالي، وبيئة استثمارية مشجعة، وعملاء لديهم الثقة في إيداع أموالهم والتعامل عبر القنوات الرسمية.

 

ومن هنا، فإن أول ما ينتظر من الحكومة هو ضبط الإنفاق العام، وتقليل عجز الموازنة، والحد من الاعتماد على التمويل المصرفي لتغطية النفقات الحكومية، حتى لا تستنزف موارد المصارف على حساب تمويل القطاع الخاص. كما أن معالجة اختلالات سعر الصرف وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي يمثلان ضرورة لتشجيع المواطنين والتجار والمغتربين على استخدام القنوات المصرفية الرسمية.

 

تعرضت البنية التحتية للمصارف لأضرار كبيرة خلال الحرب، وأصبحت إعادة تأهيل الفروع وتحديث الأنظمة التقنية وتأمين مراكز البيانات وتطوير وسائل الاتصال تحتاج إلى استثمارات ضخمة.

 

ولذلك، فإن إنشاء صندوق وطني لإعادة تأهيل القطاع المصرفي، بمشاركة الحكومة والمصارف والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية، يمكن أن يمثل إحدى الآليات العملية لتوفير التمويل والضمانات اللازمة لإعادة بناء البنية المصرفية.

 

فالمطلوب ليس أن تتحمل الحكومة جميع خسائر المصارف، وإنما أن تساهم في توفير بيئة تمويلية تساعدها على استعادة قدرتها التشغيلية، خاصة أن استمرار الخدمات المصرفية يمثل مصلحة اقتصادية وطنية تتجاوز حدود المؤسسات المصرفية نفسها.

 

وتظل استعادة ثقة المواطنين من أكبر التحديات التي تواجه الجهاز المصرفي. فالمواطن يحتاج إلى الاطمئنان على أمواله، والقدرة على السحب والتحويل والاستفادة من الخدمات المصرفية دون تعقيدات.

 

وهنا تبرز أهمية تقوية دور صندوق ضمان الودائع، وتطوير آليات حماية المودعين، ومعالجة المشكلات المتعلقة بالحسابات والأرصدة، وتحسين جودة الخدمات المصرفية.

 

كما أن الحكومة مطالبة بدعم سياسات تساعد على استعادة المدخرات الموجودة خارج الجهاز المصرفي، من خلال توفير بيئة اقتصادية مستقرة وحوافز تشجع المواطنين على إعادة أموالهم إلى المصارف.

 

ومن الملفات التي تحتاج إلى معالجة عاجلة مراجعة المديونيات والمستحقات الحكومية لدى المصارف، ووضع برنامج واضح لتسويتها. فتأخر سداد الالتزامات الحكومية يؤثر على السيولة ويحد من قدرة المصارف على توظيف مواردها في تمويل الأنشطة الاقتصادية.

 

كما ينبغي وضع ضوابط تمنع استخدام المصارف بصورة مستمرة لتمويل عجز الموازنة، لأن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون لتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والاستثمارية.

 

ويمثل التحول الرقمي أحد أبرز مخرجات اجتماع الفريق إبراهيم جابر مع قيادات الجهاز المصرفي، خاصة التوجيه بتسريع تشغيل المحول القومي للمدفوعات وتطوير التطبيقات المصرفية وربط الأنظمة بمنصة «بلدنا».

 

لكن تحقيق التحول الرقمي الشامل يتطلب أكثر من تحديث أنظمة المصارف؛ فهو يحتاج إلى بنية اتصالات مستقرة، وتوفير الكهرباء، وتطوير مراكز البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وربط المؤسسات الحكومية بمنظومة المدفوعات الإلكترونية.

 

وهنا تقع على الحكومة مسؤولية دعم هذا التوجه من خلال تعميم التحصيل والسداد الإلكتروني، وربط المؤسسات الحكومية بالمصارف، وتوسيع استخدام المحافظ الإلكترونية والوكالات المصرفية والدفع عبر الهاتف.

 

كما أن تشغيل المحول القومي للمدفوعات وتوسيع نطاق الربط بين المصارف سيساعد على تسهيل التحويلات، وتقليل الاعتماد على النقد، وتوسيع قاعدة الشمول المالي. والأهم أن تتحول الحكومة نفسها إلى نموذج في استخدام الخدمات الرقمية، من خلال دفع المرتبات وتحصيل الرسوم وسداد المستحقات عبر القنوات الإلكترونية.

 

ومن القضايا المهمة التي تناولها الاجتماع ملف حصائل الصادرات ومنع تسربها خارج البلاد. وهي قضية ترتبط مباشرة بتوفير النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف وقدرة الدولة على تمويل احتياجاتها من الواردات.

 

لكن معالجة هذه القضية لا ينبغي أن تقتصر على الإجراءات الرقابية، وإنما تحتاج إلى توفير بيئة مشجعة للمصدرين، وتسهيل إجراءات الصادر، وضمان سرعة التحويلات والتعاملات المصرفية، وتوفير حوافز تشجع على إعادة حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية.

 

وفي المقابل، فإن توجيه الموارد المصرفية نحو تمويل الإنتاج الموجه للصادر يمثل خطوة مهمة لزيادة الإنتاج وتوفير النقد الأجنبي.

 

فالسودان يحتاج إلى إعادة تشغيل المصانع، وتوسيع الرقعة الزراعية، وتطوير الثروة الحيوانية، والاستثمار في الطاقة والنقل والبنية التحتية. وهذه القطاعات تحتاج إلى تمويل مصرفي مستدام.

 

ومن هنا، فإن الحكومة مطالبة بتوفير الضمانات اللازمة لتقليل مخاطر التمويل، وتسهيل الإجراءات الاستثمارية، وتوفير الخدمات الأساسية للمشروعات الإنتاجية، بما يشجع المصارف على تمويل القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

 

فنجاح التمويل لا يقاس بحجم الأموال التي تمنحها المصارف فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الأموال إلى إنتاج وفرص عمل وصادرات وموارد نقد أجنبي.

 

وتمثل تحويلات السودانيين بالخارج أحد أهم الموارد التي يمكن أن تسهم في دعم الجهاز المصرفي وتوفير النقد الأجنبي. لكن استقطاب هذه التحويلات يتطلب سياسات جاذبة، تشمل تقديم حوافز مصرفية تنافسية، وتسهيل فتح الحسابات من الخارج، وتطوير التطبيقات الإلكترونية، وتوفير منتجات ادخارية واستثمارية مناسبة.

 

كما ينبغي أن تتبنى الحكومة، بالتنسيق مع بنك السودان والمصارف وجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج، برنامجاً وطنياً لاستقطاب المدخرات وتوجيه جزء منها نحو مشروعات الإنتاج وإعادة الإعمار.

 

وفي ظل توجه بنك السودان لإعادة هيكلة الجهاز المصرفي وتقوية رؤوس الأموال بنهاية عام 2026، من المهم أن تراعي الإجراءات الرقابية اختلاف أوضاع المصارف وحجم الأضرار التي تعرضت لها خلال الحرب.

 

فزيادة رؤوس الأموال والاندماج بين المصارف يمكن أن يكونا من أدوات الإصلاح، لكنهما ليسا الهدف النهائي. المطلوب بناء مصارف قوية وقادرة على الاستمرار والمنافسة وإدارة المخاطر وتقديم خدمات موثوقة.

 

كما أن استقطاب مساهمات استثمارية أجنبية وشراكات مع مؤسسات مالية إقليمية يمكن أن يوفر رؤوس أموال وخبرات وتقنيات جديدة، ويساعد على تطوير الخدمات المصرفية واستعادة العلاقات الخارجية.

 

إن اجتماع قيادات الدولة والجهاز المصرفي يمثل خطوة مهمة في وضع ملف الإصلاح ضمن الأولويات الوطنية، لكن التحدي الحقيقي يبدأ في مرحلة التنفيذ. فالتوجيهات المتعلقة بالتحول الرقمي وتقوية رؤوس الأموال وتمويل الإنتاج واسترداد حصائل الصادرات تحتاج إلى برنامج تنفيذي يحدد المسؤوليات والموارد والجداول الزمنية ومؤشرات قياس الأداء.

 

ولذلك، فإن المرحلة تتطلب آلية مشتركة تضم وزارة المالية وبنك السودان واتحاد المصارف وممثلي ملاك المصارف والقطاع الخاص، تتولى متابعة تنفيذ برنامج إعادة بناء الجهاز المصرفي.

 

فالحكومة مسؤولة عن الاستقرار الاقتصادي وتهيئة البيئة الاستثمارية وتسوية التزاماتها، وبنك السودان مسؤول عن السياسة النقدية والرقابة والاستقرار المصرفي، بينما تقع على ملاك المصارف وإداراتها مسؤولية تطوير الأداء وتعزيز الحوكمة وزيادة الكفاءة.

 

إن دعم القطاع المصرفي السوداني لا يعني أن تتحمل الحكومة خسائر المصارف أو تتولى إدارتها، وإنما أن توفر لها الظروف التي تمكنها من التعافي والنمو. فالإصلاح المصرفي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إصلاح الاقتصاد، كما أن إعادة الإعمار لن تتحقق دون جهاز مصرفي قادر على تعبئة المدخرات وتوفير التمويل وتسهيل الاستثمار والتجارة.

 

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة معالجة آثار الحرب إلى مرحلة بناء جهاز مصرفي حديث وفعال، يستعيد ثقة المواطن، ويجذب مدخرات المغتربين، ويدعم الإنتاج، ويساهم في إعادة الإعمار.

 

فالقطاع المصرفي ليس مجرد وسيط مالي، وإنما شريك أساسي في بناء الاقتصاد، وأي رؤية وطنية للتعافي الاقتصادي لن تكتمل دون وضع إصلاحه ودعمه في مقدمة الأولويات.

 

 

** خبير التخطيط الاستراتيجي والتحول الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى