أخبارسياسية

“المحقق” يقف على التفاصيل ويستعرض الخلفيات: مسلمو جنوب الفلبين ينالون الحكم الذاتي وأعضاء أول برلمان إقليمي يؤدون القسم

 

المحقق – أحمد عبد الباقي

افتتح يوم أمس (الجمعة) برلمان “بانقسا مورو” الذي يضم 80 عضواً منتخباً، لتمهيد الطريق إلى تكوين إقليم الحكم الذاتي لمسلمي جنوب الفلبين، ويمثل افتتاح البرلمان، الذي اختير أعضاؤه في انتخابات جرت في 14 سبتمبر 2026م، نهاية فترة السلطة الانتقالية لـ “بانقسا مورو” التي امتدت لسبع سنوات بموجب اتفاقية السلام الشامل التي وقعت في 27 مارس 2014م بين الحكومة الفلبينية والجبهة الإسلامية لتحرير مورو، حيث صدر القرار الجمهوري رقم (11054) الذي نص على تأسيس إقليم الحكم الذاتي لــ”بانقسا مورو”.

و يتكون البرلمان من 40 عضوا يمثلون الأحزاب السياسية؛ 32 مقعداً لممثلي المناطق بالجنوب، و8 مقاعد لممثلي القطاعات، و جاء التمثيل عبر الدوائر الجغرافية، والقطاعات (المرأة، الشباب، العلماء، والقيادات الشعبية)، والمستوطنين من غير مناطق الجنوب، والسكان المحليين من غير المورو.

وفقاً لإحصائيات لجنة الانتخابات، فإن نسبة التصويت بلغت 84,34%، وبلغ عدد الناخبين 2,018,478 ناخباً؛ وستستمر دورة البرلمان حتى 30 يونيو 2031م، ويضطلع بسن القوانين الإقليمية، وإجازة الصرف المالي العام ومراقبة أداء الحكومة التنفيذية فيما يتعلق بتنفيذ بنود اتفاقية السلام، والعمل على معالجة ضروريات حياة المجتمع في مناطق الحكم الذاتي في منطقة ميندناو بجنوب الفلبين.

تحدي هو الاقتصاد الأبرز:

خاطب البرلمان في جلسته الافتتاحية الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن، كما اختير عبد الرؤوف ماكاكوس لمنصب “كبير الوزراء” في إقليم الحكم الذاتي “بانقسا مورو”- وبذلك يترأس الجهاز التنفيذي لحكومة الإقليم. واختير عامر زكريا متحدثًا باسم البرلمان، وعبد الرؤوف بانتوس سليمان أمينًا عامًا للبرلمان.

ورغم التفاؤل بتكوينه، إلا أن التحدي الذي سيواجه الإقليم هو الوضع الاقتصادي ومدى تعاون الحكومة المركزية معه في تحقيق أهداف الحكم الذاتي، علاوة على التحديات الأمنية التي تمثلها بعض الجماعات الإسلامية، مثل جماعة أبو سياف ومجموعات تنظيم الدولة والقاعدة التي تصنف بأنها إرهابية وتنشط في أعمال القرصنة البحرية، وخطف السياح، خاصة الغربيين (رغم خمول نشاطها في الوقت الراهن).

نبذة عن أرخبيل الفلبين:

تقع دولة الفلبين في جنوب شرق آسيا وعاصمتها مانيلا في شمال البلاد، وتتكون من 7107 جزر، وتنقسم إلى ثلاث مجموعات جزر رئيسية هي: لوزون في الشمال، وبيساياس في الوسط، ومنداناو في الجنوب. ويحدها من الشرق بحر الفلبين، ومن الغرب بحر الصين الجنوبي، ومن الجنوب بحر سيليبيس، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 100 مليون نسمة، ينحدرون من أصول ملاوية، وصينية، وإسبانية.

أهم دياناتها المسيحية الكاثوليكية (تعد الدولة الكاثوليكية الوحيدة في جنوب شرق آسيا)، بالإضافة إلى الإسلام والبوذية. ونالت الفلبين استقلالها من إسبانيا في 12 من يونيو 1898م، ثم احتلتها أمريكا إلى أن استقلت عنها في الرابع من يوليو 1946 .

 

الفلبين والاسلام:

دخل الإسلام إلى الفلبين في القرن الرابع عشر عن طريق التجار العرب الذين دخلوا عبر جزر ماليزيا وإندونيسيا. و ينحدر مسلمو الفلبين من أصول ملاوية، جاءوا من جزيرة “بورنيو” وماليزيا. وقد أطلق الاحتلال الإسباني على مسلمي الفلبين اسم “مورو” حين لاحظ شجاعة وتضحيات المسلمين هناك دفاعًا عن بلادهم، ورأوا أنها تتشابه بشكل كبير مع شجاعة المسلمين في المغرب العربي، فسموا بهم.

و بعد تنازل الإسبان عن الفلبين إلى أمريكا بموجب اتفاقية باريس، ضمت المناطق التي كانت تتمتع بالسيادة والاستقلال حينئذٍ، وهي مناطق المسلمين في “منداناو” وأرخبيل سولو، إلى شمال الفلبين. يبلغ عدد مسلمي الفلبين من 10 إلى 12 مليون نسمة، يمثلون حوالي 12% من إجمالي سكان البلاد (حسب إحصائيات الهيئة القومية لمسلمي الفلبين)، بينما تشير التقارير الحكومية الرسمية الفلبينية إلى أن تعداد المسلمين لعام 2020م 6.4% من إجمالي سكان البلاد.

ثورة على التهميش:
يرى مسلمو جنوب الفلبين أنهم تعرضوا لسياسة تهميش وحرمان من التعليم بواسطة الحكومة الكاثوليكية في مانيلا، حيث ترتفع بينهم نسبة الفقر والبطالة، رغم أن الإقليم غني بموارده المعدنية ومصائد أسماك التونة. ويقولون إن الحكومة المركزية مارست التطهير العرقي والتهجير القسري للمسلمين من مناطقهم والإحلال الديمغرافي بتوطين غير المسلمين في مناطقهم، ولذلك كونوا تحالفاً في سبعينيات القرن الماضي عُرف بـ “الجبهة القومية لتحرير مورو” برئاسة نور ميسواري للدفاع عن المسلمين والمناداة باستقلال إقليم المسلمين بجنوب البلاد عن شمالها.

وبعد تكوين الجبهة بيومين فقط، بلغ عدد قتلى المسلمين على يد قوات الحكومة الفلبينية عشرين ألف قتيل، مما حدا بالحكومة إلى طلب وساطة العقيد القذافي حينئذ باعتباره الداعم الرئيسي للجبهة القومية لتحرير مورو، فكان اتفاق طرابلس للحكم الذاتي للمسلمين بجنوب الفلبين في عام 1976م، إلا أن ذلك لم يرضِ بعض قادة المسلمين فكونوا الجبهة الإسلامية لتحرير مورو برئاسة سلامات هاشم كفصيل آخر يدافع عن حقوق المسلمين متهماً الجبهة القومية بالتنازل عن حقوق المسلمين.

إستمرار الصراع:

استمرت أعمال العنف في مناطق المسلمين خلال أربعين عاماً، بلغ فيها عدد القتلى أكثر من 150 ألف قتيل، وشُرد حوالي ثلاثة ملايين نسمة، ودُمرت أكثر من مئتي مدرسة، فيما استمرت المقاومة ضد القوات الحكومية، ودخل تنظيم الدولة والقاعدة (جماعة أبو سياف) على الخط، مما حدا بتحرك الحكومة الفلبينية والدوائر الغربية خوفاً من تمدد ما أسموه بـ”الإرهاب”، للبحث عن فرص للسلام ودعم المفاوضات بين الحكومة وفصائل المسلمين بجنوب الفلبين

 

مبادرات سلام متعددة:

تعددت مبادرات السلام تبعاً لذلك، فكانت مبادرة السلام الإندونيسية بين حكومة الفلبين وجبهة تحرير مورو الوطنية في عهد الرئيس فيديل راموس، والتي توصلت لإبرام اتفاق للسلام في عام 1996 في مدينة “جاكرتا” الإندونيسية. ومنها استضافة السعودية للجلسات الثلاثية برعاية منظمة التعاون الإسلامي التي خُصصت لمراجعة تطبيق ذلك الاتفاق، ومنها التوسط الماليزي لاتفاق السلام بين الحكومة وجبهة تحرير مورو الإسلامية، مما أدى إلى إبرام اتفاق شامل للسلام لتكوين إقليم “بانقسا مورو” في عام 2014م. وحظي ذلك الاتفاق بإشادة وقبول منظمة التعاون الإسلامي والدول الإسلامية والعربية، بما فيها المملكة العربية السعودية وقطر وماليزيا وإندونيسيا وبروناي، وأدى إلى تكوين إقليم للحكم الذاتي يعرف بـ” بانقسا مورو” في عام 2019م، وتكونت سلطة انتقالية استمرت أعمالها حتى عام 2025.

وتجئ انتخابات سبتمبر الماضي، والبرلمان الذي أفرزته، وأدى أعضاؤه القسم أمس، تتويجاً لتلك الجهود والوساطات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى