رأي

الحوار السوداني – السوداني في لحظة التحول الجيوسياسي

دكتورة كوثر أحمد السجان

تأتي الدعوة والترتيبات للحوار السوداني – السوداني في سياق بالغ التعقيد يقف فيه السودان أمام لحظة تاريخية فارقة، لا تحتمل الترف السياسي أو إعادة إنتاج الأدوات السياسية ذاتها التي أثبتت محدوديتها خلال السنوات الماضية. فالحرب التي إندلعت في أبريل 2023م لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع فحسب، وإنما تحولت الى أزمة مركبة للدولة السودانية، تتداخل فيها أزمة الشرعية وتآكل مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة والانقسام المجتمعي ، وإقتصاد الحرب ، والتدافع الجيوسياسي.

نقف اليوم أمام دولة تتآكل قدرتها على ممارسة وظائفها، وحربا تتخذ أبعاداً إقليمية ودولية متزايدة، وواقع ميداني يمكن أن يقود إستمرارُه إلى إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والسياسية للسودان.

لذلك فإن التعامل مع الحرب السودانية بمنطق عسكري أو سياسي ضيق لم يعد كافيا، فالمسألة أصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها، وبقدرتها على الحفاظ على وحدتها الإقليمية ووجودها كدولة فاعلة وقادرة على مُمارسة سلطاتها ، وبموقع السودان في معادلات الأمن الإقليمي، لاسيما في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل ومنطقة الساحل الافريقي.

لم يعد السؤال الاكثر إلحاحا هل يمكن حسم الحرب عسكريا أم التوصل لتسوية سياسية؟ بل أصبح أي صيغة للاستقرار يمكن أن تفضي إليها مٱلات الحرب ؟ ومن سيحدد شروطها؟ وهل ستكون ناتجة عن إرادة وطنية سودانية ،أم ستتأثر بتوازنات القوة والضغوط الجيوسياسية ؟

لابد قبل أي حوار ضرورة إعادة النظر في طبيعة الأزمة ذاتها ،وفي ادوات التعامل معها،وفي موقع السودان ضمن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
إن نجاح أي حوار يظل رهينا بالادراك التام بأن السودان اليوم يقف عند تقاطع ثلاثة مستويات متفاعلة :-
-المستوى الداخلي .
-المستوى الإقليمي
-مستوى تحولات النظام الدولي.
ولا تعمل المستويات الداخلية والإقليمية والدولية للأزمة السودانية بصورة منفصلة، بل تتفاعل ضمن علاقة تأثير متبادل تعيد تشكيل مسار الحرب وفرص تسويتها .
فضعف المؤسسات الوطنية وهشاشتها، وتعدد مراكز القوة المسلحة يفتح الباب أمام تداخل المصالح الخارجية. بينما قد يسهم التدافع الجيوسياسي الإقليمي والدولي على السودان في تغيير موازين القوة الداخلية، والتأثير على الحوافز السياسية والاقتصادية للأطراف المتصارعة، بما قد يطيل إستمرار الحرب ويعمق من الإختلالات الداخلية .
ومن ثم فإن أي انتقال سياسي لا يأخذ المستويات الثلاثة في الاعتبار قد ينجح في إنتاج حكومة،لكن قد يفشل في إنتاج دولة قادرة على البقاء موحدة ومستقلة وذات سيادة فعالة. ومن ثم فإن فهم الأزمة يقتضي تحليل التفاعل بين عواملها الداخلية ومحدداتها الخارجية .

يقتضي تحليل المستوى الداخلي البدء بالتمييز بين أزمة النظام السياسي وأزمة الدولة: لأن طبيعة الخلل الداخلي تحدد إلى حد كبير قدرة السودان على إدارة التفاعلات الإقلبمية والدولية وتوظيفها لخدمة مصالحه الوطنية.فقد تواجه الأنظمة السياسية أزمات في الشرعية أو التمثيل أو تداول السلطة، ويمكن في ظروف معينة إحتواء هذه الأزمات من خلال الحوار و التفاوض والإصلاح الدستوري والانتخابات. أما حين تتعرض المؤسسات الوطنية للتآكل، وتتعدد مراكز القوة المسلحة، وتتراجع قدرة السلطة العامة على فرض القانون وتقديم الخدمات وإدارة الموارد، فإن الأزمة تنتقل إلى مستوى أكثر عمقًا، يتعلق بقدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
فالتسوية التي تعيد توزيع المواقع السياسية بين النخب، من دون معالجة تعدد مراكز القوة المسلحة وضعف المؤسسات العامة والإختلالات الاقتصادية والاجتماعية، قد تفضي إلى هدنة مؤقتة أو ترتيب سياسي محدود، لكنها لا تضمن إستعادة الدولة لقدرتها على الحكم.

وتبرز هنا خطورة الخلط بين إستعادة السيطرة على بعض المناطق وإستعادة الدولة لوظائفها. فالتقدم العسكري، مهما كانت أهميته في تغيير موازين القوة، لا يؤدي تلقائيًا إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها .
كما أن حرب 15 أبريل كشفت بصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى هشاشة البناء المؤسسي للدولة السودانية.
فوجود قوتين عسكريتين كبيرتين داخل المجال الوطني، وتطور التنافس بينهما إلى حرب شاملة، لم يكن مجرد نتيجة لقرار عسكري مفاجئ، وإنما تعبيراً عن خلل أعمق في بناء منظومة القوة والأمن داخل الدولة.

إن تعدد مراكز القوة لا يقتصر اثره على المجال العسكري، بل يمتد إلى السيطرة على الموارد، وفرض الجبايات، وتعطيل حركة التجارة وإضعاف سلطة القانون ، وتفاوت القدرة على تقديم الخدمات .
أيضا لايمكن تحليل التهديد الذي تواجهه الدولة السودانية بمعزل عن البعد الاقتصادي ، ووضع الاقتصاد في قلب التحليل باعتباره مرتكزا رئيسا للحفاظ على الدولة.
فالأزمة الإقتصادية لم تبدأ مع الحرب الحالية، وإن كانت الحرب قد عمقتها إلى مستويات غير مسبوقة، فقد
اضافت الحرب واقعا جديدا من التعقيدات يشمل تدمير البنية التحتية، تعطيل الزراعة والصناعة، إضطراب الأسواق، إنهيار قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي وإقتصاد الحرب. وهنا يبرز امرا بالغ الاهمية، فالحرب لا تدمر الاقتصاد فقط،بل قد تعيد تشكيله.
فإستمرار الصراع مع نشوء شبكات إقتصادية مرتبطة بالموارد الطبيعية والذهب والتجارة الحدودية والتهريب والتمويل العسكري ، مع الوقت قد تتحول هذه الشبكات إلى مصالح راسخة تقاوم السلام إذا هددت التسوية مصادر نفوذها وعوائدها .

إن معالجة إقتصاد الحرب لا تقتصر على وقف التمويل غير المشروع، وإنما تشمل إستعادة الانتاج وتنظيم الموارد ، وإعادة بناء سبل العيش ، وإخضاع النشاط الاقتصادي للمؤسسات العامة والقانون.

ثانياً: المستوى الاقليمي:

لاتنفصل الأزمة السودانية عن البيئة المحيطة بها، فالسودان ليس مجرد دولة تواجه حربًا داخلية، بل يقع في منطقة تتقاطع فيها المصالح العربية والإفريقية، وتتصل فيها إعتبارات أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل، فضلًا عن المنافسة على الموانئ والممرات البحرية والموارد الطبيعية ومجالات النفوذ.
وبالتالي فإن الجغرافية تمنح السودان أهمية إستراتيجية خارج حدوده، الأمر الذي يجعل إستقراره عاملا مؤثرا في التوازنات الاقلبمية، وفي المقابل، فإن هشاشة الدولة وتعدد مراكز القوة فيها تجعل البيئة السودانية أكثر عرضة لتداخل المصالح الخارجية وتباين حساباتها مع مسارات الصراع الداخلي، خاصة أن أثر الإقليم لا يتوقف على مواقفه المعلنة من الحرب، بل يمتد إلى مدى توافق مصالح دوله مع إستعادة الاستقرار ووحدة المؤسسات الوطنية.
فرغم الأهمية الاستراتيجية لجغرافية السودان إلا أنها لا تضمن له تلقائيا القدرة على توظيف هذه الأهمية، إنما يتوقف ذلك على مدى تماسك مؤسساته الوطنية ، وقدرتها على تحويل الأهمية الجغرافية إلى ثقل إستراتيجي ونفوذ تفاوضي، من خلال إدارة المؤانئ والممرات البحرية ،و توظيف الموارد وشبكات التجارة، وبناء الشراكات الاقتصادية و الأمنية وفق الاولويات الوطنية .

ثالثاُ: تحولات النظام الدولي

تتزامن الحرب السودانية مع تحولات أوسع في النظام الدولي، وموازين القوة وتنافس القوى الكبرى على النفوذ والموارد والممرات البحرية الاستراتيجية. والسودان بموقعه الجيوإستراتيجي يكتسب أهمية في الحسابات المتصلة بالبحر الأحمر ، والممرات البحرية، والموارد الاستراتيجية، ما يجعل تطورات أزمته متأثرة بتقاطعات المصالح الدولية .
كل هذا يزيد من تعقيد البيئة المحيطة بالصراع .
ومن هنا يتضح أن أزمة السودان هي أزمة دولة تتفاعل فيها الإختلالات الداخلية مع المصالح الإقليمية والتحولات الدولية.
وعليه، فإن التحدي لا يتمثل في تجنب التفاعلات الدولية، بل في منع تحولها إلى عامل يفاقم الصراع، وتوظيفها بدلًا من ذلك لدعم تسوية تحفظ وحدة السودان وسيادته وتتيح إعادة بناء مؤسساته دون أن تحل محل الارادة الوطنية أو تفرض على السودانيين ترتيبات لا تعالج أسباب الأزمة.

كما إن التمسك بالتحول الديمقراطي لا ينبغي ان يحجب المخاطر الاستراتيجية التي تهدد الإطار الوطني الذي يفترض أن تجري داخله العملية السياسية. فالدولة والديمقراطية ليستا بالضرورة هدفين متعارضين، وإنما يتوقف نجاح كل منهما على طبيعة العلاقة التي تبنى بين المؤسسات والحقوق والمجتمع .

وبالتالي فإن فرص التسوية المستدامة تظل رهينة بقدرة الحوار السوداني – السوداني على إنتاج توافق وطني يؤسس لمسار متدرج يعيد تاسيس الدولة على أسس سياسية، وإقتصادية، ومؤسسية أكثر صلابة، تضمن ألا تنتهي الحرب إلى دولة أضعف، أو مجتمع أكثر انقساما أو سيادة أقل قدرة على تعريف وحماية مصالحها الوطنية.
فالتحدي الحقيقي لايتوقف عند إنهاء الحرب بل يمتد لحماية السيادة الوطنية، ووحدة البلاد، وإعادة بناء المؤسسات، ومعالجة الإختلالات التي أفضت إلى الأزمة ، ووضع ضمانات للحقوق والمساءلة والإنتقال الديمقراطي.
بهذا يصبح الحوار السوداني – السوداني جزءاً من معادلة إستراتيجية لا إستجابة لظرف سياسي طارئ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى