
المحقق- محمد عثمان آدم
نشر المجلس النرويجي للاجئين تقريره السنوي الذي يسلط الضوء على الأزمات العشر الأكثر إهمالاً فيما يتعلق بالنازحين، في ظل تجاهل العالم لما يجري. وللأسف، تصدر الوضع في السودان قائمة هذه الأزمات العشر الأكثر إهمالاً.
وأوضح التقرير، الذي نُشر على الموقع الإلكتروني الرسمي للمجلس أول من أمس(الجمعة)، أنه اعتمد أربعة معايير لتحديد هذه الأزمات، وهي:
1- غياب الاهتمام الإعلامي
2- تناقص التمويل،
3- غياب الإرادة السياسية، بالإضافة إلى معيار جديد أُضيف هذا العام وهو
4- “حجم النزوح”.
أشار التقرير بأسف إلى أن أسوأ أزمة إنسانية في العالم قد بلغت يومها الألف منذ اندلاع الحرب غي السودان . وأكد التقرير أنه “لا يوجد مكان على وجه الأرض يعاني فيه الناس أكثر مما يعانون في السودان، ولا توجد فجوة بين الاحتياجات والاستجابة الفعلية أكبر مما هي عليه هناك، مما يجعل أزمة النزوح في السودان الأكثر إهمالاً على الإطلاق”.
وقد حمّل المجلس النرويجي للاجئين “قوات الدعم السريع” المسؤولية المباشرة باعتبارها الطرف الرئيس وراء الأزمة التي يشهدها السودان. وذكر التقرير أن المؤشرات كانت واضحة منذ عام 2025، إلا أن التحذيرات التي أطلقتها منظمات إنسانية سودانية ودولية قوبلت بالتجاهل. وكشف التقرير أن “الكوارث كانت تتفاقم بينما فرضت قوات الدعم السريع وحلفاؤها حصاراً طويلاً على مخيم زمزم، والفاشر، وكادوقلي، والدلنج؛ حيث حُرم المدنيون من الغذاء والماء والمساعدات الأساسية. وفي بعض الحالات، اضطرت العائلات إلى اللجوء لتدابير قاسية للبقاء على قيد الحياة، مثل غلي أوراق الشجر أو البحث عن بقايا جلود الأبقار في المسالخ”.
وقال التقرير أنه بحلول شهر أبريل، تحول أحد هذه الحصارات في مخيم زمزم إلى مذابح، أسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من الناس وأجبرت مئات الآلاف الآخرين على الفرار. وبعد ستة أشهر، ارتُكبت فظائع واسعة النطاق في الفاشر؛ حيث قُتل الآلاف، وانتشر العنف الجنسي، واختفى عدد لا يحصى من الأشخاص دون أي أثر. لم يكن هناك مفر؛ فقد استُهدف الناس داخل المدينة وأثناء محاولتهم الفرار.
وسلط التقرير الضوء على مشاهد مأساوية، كتلك التي وقعت في كادوقلي والدلنج، حيث “استيقظت أمهات ليجدن أطفالهن قد فارقوا الحياة جوعاً أثناء نومهم”.
كما عبّر التقرير عن استغرابه من موقف اللامبالاة الذي يتخذه المجتمع الدولي تجاه ما يحدث في السودان، في وقت تتكشف فيه فظائع جماعية وتُبث تفاصيلها مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كانت الأدلة حاضرة في كل مكان، حتى إن سفك الدماء كان مرئياً عبر الأقمار الصناعية. ومع ذلك، يُنتهك القانون الدولي الإنساني مراراً وتكراراً دون أدنى محاسبة. «ما الذي يلزم أكثر من ذلك لتحفيز التحرك؟» هكذا تساءلت ماتيلد فو، مديرة المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين (NRC) في السودان، في تعبيرٍ عن أسفها العميق.
لقد تسبب النزاع الضاري في نزوح تسعة ملايين شخص داخل البلاد. وبحلول عام 2025، واجه نحو 29 مليون شخص جوعاً حاداً، في حين شهدت مناطق عدة مجاعة فعلية.
ومع استمرار الحرب، امتدت أزمة السودان تدريجياً لتتجاوز حدوده؛ إذ فرّ أكثر من أربعة ملايين شخص إلى تشاد وجنوب السودان ومصر وليبيا ومناطق أبعد. ورغم أن العديد من هذه الدول كانت تعاني أصلاً من أزماتها الخاصة، إلا أنها استضافت اللاجئين والعائدين بسخاء. وقد جاء ذلك بتكلفة باهظة، حيث تحملت المنطقة عبئاً يفوق قدرتها على الاحتمال.
-تقديم المساعدات الإنسانية في ظل ظروف بالغة الخطورة
تطلب إيصال المساعدات إلى المحتاجين في السودان خوض غمار مخاطر جمة، وسط بنية تحتية مدمرة وعراقيل متعمدة. ففي عام 2025، قُتل أو احتُجز أو أُصيب 92 من العاملين في المجال الإنساني. كما أدت الفيضانات وسنوات النزاع إلى تدمير طرق النقل الرئيسية، مما أعاق سرعة الاستجابة وأثقل كاهل العمليات الإنسانية التي كانت تعاني أصلاً من ضغوط هائلة.
وفي ظل انهيار المرافق العامة الحيوية، أصبح الفاعلون المحليون أكثر أهمية من أي وقت مضى في الاستجابة الإنسانية. ولكن في ذروة هذه الضغوط، تعرض التمويل لتقليص حاد، مما اضطر الكثيرين -بسبب نقص الموارد- إلى التوقف عن العمل تماماً. أما أولئك الذين تمكنوا من الاستمرار – كالمتطوعين من أبناء المجتمعات المحلية، ومجموعات الدعم المتبادل، والمنظمات التي تقودها نساء – فقد عملوا في ظل مخاطر قصوى، مواجهين تهديدات بالاعتقال والتعذيب والموت.
وفي المدن المحاصرة التي تعجز المنظمات الخارجية عن الوصول إليها، كانوا هم شريان الحياة الوحيد، رغم الفظائع في الفاشر، يظل التقاعس هو السائد
على الرغم من أن أنباء سقوط مدينة الفاشر تصدرت العناوين الدولية، إلا أن هذا الاهتمام المتزايد لم يترجم إلى تحرك فعلي. فبحلول نهاية عام 2025، لم تتجاوز نسبة تمويل الاستجابة الإنسانية 40 في المئة.
تظهر الحرب في السودان على الأجندة الدبلوماسية العالمية، لكنها سرعان ما تتوارى عنها. فقد اتسمت الجهود السياسية الرامية لإنهاء النزاع، في معظمها، بالطابع الشكلي واللامبالاة؛ إذ افتقرت إلى القدرة -أو الرغبة- في اتخاذ خطوات ملموسة لحماية المدنيين أو ضمان وصول المساعدات الإنسانية.
و تختتم المنظمة تقريرها بالتاكيد علي”ان السودان بلد شاسع، وأزمته لا يمكن تجاهلها، وإهماله أمرٌ لا مبرر له. فبينما يمكن للمساعدات الإنسانية -في حال توفر التمويل المستدام- أن تساعد في الحفاظ على الحياة، يظل الحل السياسي هو السبيل الوحيد لاستعادة مقوماتها.”



