رأي

هل تخلّى الله عن المسلمين؟ (3- 3)

د. إسماعيل ساتي

الجزء الثالث: لماذا يُمنع المسلمون من امتلاك قوة الردع؟

إذا كان الضعف الداخلي أحد أسباب الهزيمة، فإن من أبرز مظاهر هذا الضعف حرمان المسلمين من امتلاك أدوات الردع. هذا المنع ليس عارضاً، بل نتاج مشروع طويل تتقاطع فيه العقائد والمصالح والاستراتيجيات الدولية.

أولاً: امتداد الحروب الصليبية – من الماضي إلى الحاضر،
لم تنته الحروب الصليبية، بل تغيرت أدواتها ومبرراتها. الغرب لا يزال يُسيّره – في بعض مؤسساته – عقل تاريخي يرى في الإسلام خصماً وجودياً. ولازلنا نتذكر مقولات قيلت معبرة عن هذا الفهم:
• الجنرال الفرنسي “غورو” عند قبر صلاح الدين في 1920: “ها قد عدنا يا صلاح الدين!”
• جورج بوش الابن وصف غزو العراق بأنه “حملة صليبية”.

هذه العقيدة لا تحارب دولة معينة، بل تقف ضد نهضة الأمة الإسلامية ككل.

ثانياً: فلسفة الفوضى الخلاقة:
مفهوم استراتيجي برز مع صعود المحافظين الجدد في أمريكا:
• نُسب إلى كوندوليزا رايس وزبيغنيو بريجينسكي.
• يعتمد على خلق الفوضى لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً واجتماعياً لصالح الهيمنة الأمريكية.
• طُبّق في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وحالياً السودان.
• يُستثنى من هذه الفوضى دول مثل كوريا الشمالية أو إسرائيل رغم تهديدها الحقيقي.

ثالثاً: النظام العالمي الجديد – الهيمنة النيوليبرالية:
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي شهد العالم تحولات جيوسياسية، نذكر منها:
• سادت مفاهيم العولمة والأسواق المفتوحة التي خُصت بها دول دون أخرى.
• جرى تقويض السيادة الوطنية عبر شروط صندوق النقد والبنك الدولي.
• فرضت عقوبات اقتصادية على الدول (المارقة).
• فُرضت أنظمة وظيفية بديلة، تخدم النظام العالمي لا شعوبها.

رابعاً: أدوات المنع المباشر من امتلاك الردع
1) حظر السلاح:
• تُفرض عقوبات على دول مثل إيران والسودان والعراق وفلسطين.
• تُمنع الدول الإسلامية من تصنيع أسلحة استراتيجية.

2) تشويه السعي نحو الردع:
• تُتهم كل دولة مسلمة تسعى للتسليح بأنها تشكل خطراً عالمياً.
• تُعاقب حتى النوايا، كما حدث مع إيران، رغم نفي وكالة الطاقة الذرية لسعيها للتسلح النووي.

3) الدعم الانتقائي:
• تدعم الدول الكبرى أنظمة تابعة وتسلحها، بينما تُحاصر الأنظمة ذات الاستقلالية عن دول الهيمنة.
• يُمنح التفوق العسكري الكامل لإسرائيل، مهما تمادت في خرق القوانين الدولية أو وُجهت إليها اتهامات موثقة من مؤسسات دولية وإقليمية بارتكاب جرائم حرب أو تطهير عرقي.

4) الحصار الاقتصادي والإعلامي:
• تُفرض عقوبات اقتصادية خانقة على الدول (المارقة) وأغلبها من البلدان الإسلامية.
• يُشن حصار إعلامي لتشويه الزعامات أو الحركات ذات الاستقلالية عن دول الهيمنة.

خامساً: غياب مشروع حضاري متكامل للأمة الإسلامية
• لا توجد رؤية استراتيجية موحدة.
• تستمر التبعية للغرب في الصناعات والتقنيات والنماذج الاقتصادية.
• دول مثل الصين والهند طورت مشاريعها رغم الفقر والتحديات، بينما انشغل المسلمون بالفرقة والصراع.

المنع من امتلاك أدوات الردع ليس صدفة، بل جزء من منظومة تهدف لإبقاء الأمة ضعيفة. لكن هذا لا يعفي المسلمين من مسؤوليتهم:
• إذا فُرض الحصار، فلنطوق بالعلم.
• وإذا مُنعنا من السلاح، فلنبنِ اقتصاداً مستقلاً.
• وإذا شوهونا إعلامياً، فلنُطلق روايتنا.

إن النهوض الحقيقي لا يكون بردّات أفعال بل برؤية متكاملة تعي السنن وتفعّلها، وتجمع بين الإيمان والقدرة.

وفي ختام هذه السلسلة التحليلية التي حملت تساؤلاً صادماً في ظاهره صادقاً في توجهه: “هل تخلّى الله عن المسلمين؟”. نؤكد أن ما استعرضناه في الأجزاء الثلاثة لم يكن تبريراً للضعف ولا تغطية على التقصير، بل محاولة لتفكيك واقع مركب، وإحياء وعي غائب، وربط السنن بالواقع.

وهكذا خلصنا إلى أن:
• الله لا يتخلى عن عباده، لكن من تخلى هو المسلم عن سنن الله.
• أن الهزيمة تبدأ من الداخل، حين تُغيب العدالة وتُهمّش الكفاءة ويُفرّق الصف.
• أن العالم لا يمنعك من النهوض إلا إذا كنت تملك في داخلك الاستعداد للركوع.

إن ما تعيشه الأمة ليس قدراً محتوماً، بل هو قابل للتغيير، إذا تحقق أمران:

أولاً: العودة إلى الله بالعمل لا بالادعاء
• إيمان يتحرك لا يتجمد في الشعائر.
• تقوى تُترجم إلى عدل وإحسان ونهضة.

ثانياً: بناء مشروع حضاري مستقل
• رؤية استراتيجية موحدة للأمة تعيد تعريف مصالحها.
• تحالفات واعية، لا انفعالية.
• استثمار في الإنسان والعقل والعلم والتقنية.
النهضة لا تصنعها الشعارات، بل تصنعها العزائم.
والأمة التي تنتظر المخلّص دون أن تُصلح ذاتها، ستظل في دوامة التيه.

إن ما نعيشه اليوم من تحديات، هو فرصة تاريخية لإعادة البناء على أسس جديدة تحترم السنن وتستلهم الوحي وتستثمر الواقع وتسعى بجد لامتلاك أدوات القوة، لا للاستقواء بالغير.
وفي كل لحظة من لحظات التاريخ، تبقى الكلمة الحاسمة لسنن الله:
“وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ”

فهل آن لنا أن ننصر الله، حقاً بفكر نقي وعمل نزيه ووحدة لا تنكسر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى