هندرة التعليم العالي في السودان .. البحوث والتنمية نموذجاً (1- 3)

د. أحمد عبد الباقي
لعل الحرب الجارية في السودان محنة في طياتها منح لترتيب الأمور من كل النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلخ….. في السودان، لذا لا بد من إعادة النظر في كثير من المؤسسات المناط بها إحداث التغيير نحو الأفضل في كل مناحي حياتنا، وهنا يمثل التعليم العام والعالي رائداً لتلك المؤسسات بإعادة النظر في نمط التفكير السائد وتبني طرائق جديدة للتفكير خارج إطار المألوف بغية زيادة فعالية مؤسسات التعليم في سودان ما بعد الحرب، تركز هذه المشاركة -التي ستكون في ثلاث حلقات- على بسط مفهوم هندرة التعليم العالي في السودان وأهمية تبنيه – وفقا للظروف السائدة- كآلية لتطوير البحوث والتنمية كي تصبح إحدى روافد وأسس إحداث التغيير الإيجابي لإعمار وبناء سودان ما بعد الحرب.
*مفهوم الهندرة “إعادة هندسة العمليات الإدارية”*
الهندرة كلمة عربية جديدة مركبة من كلمتي هندسة وإدارة كترجمة للمصطلح الإنجليزي
(Business Process Re-engineering)
والذي يعني إعادة هندسة العمليات. وتعتبر إعادة الهندسة أداة رئيسية للفكر الإداري الحديث، وتقوم على تغيير المفاهيم والقواعد والفرضيات التي تبني الإدارة قراراتها على أساسها، والبحث عن قواعد وفرضيات ومفاهيم جديدة تناسب العصر الحديث بهدف تحقيق تحسينات جوهرية فائقة في معايير الأداء مثل: التكلفة، والجودة، والخدمة والسرعة، والإتقان، ويعرف (Hammer & Stanton) الهندرة بأنها:” إعادة التفكير الجوهري في عمليات المنظمات (يمكن أن تكون شركات قطاع عام أو خاص أو مؤسسات تعليم عام أو عالي خاصة أو عامة)، وإعادة تصميمها بشكل جذري لتحقيق تحسينات جذرية في الأداء، هذا وتعد هندسة العمليات الإدارية (الهندرة) على مستوى التعليم هي أحد المداخل الإدارية الحديثة، التي تهدف إلى تحسين جذري، وسريع، في المنظمات التعليمية من خلال إعادة تصميم العمليات الاستراتيجية، والسياسات، والهياكل، والقيم، والافتراضات المساندة بشكل غير تقليدي. وتشتمل عملية إعادة هندسة العمليات الإدارية على عدد من المفاهيم، فهي تبدأ من الصفر، أي أننا نكتب على ورقة بيضاء لم يكتب فيها أحد من قبل، فهي إعادة تصميم جذرية. وإنها ليست عملية ترميم أو إصلاح للعمليات القائمة، بل تجديداً لها وهي ثورة على كل قديم وذات طابع عمومي، بمعنى أنه يمكن تطبيقها في كافة أنواع العمليات، وفي كل أنواع الكليات والأقسام الجامعية.
*تاريخ الجامعات*
قبل الدخول في شرح تفاصيل هندرة البحوث والتنمية في السودان يجدر بنا أن نستعرض تاريخ الجامعات والبحث العلمي بصفة عامة لتوضيح كيف تطور التعليم العالي خاصة في مجال البحوث الذي تضطلع به الجامعات، فما معني جامعة؟ الجامعة كلمة عربية مشتقة من الاجتماع، أي الاجتماع على هدف معين وهو العلم والمعرفة، وهي مؤسسة أكاديمية تقدم تعليمًا من المستوى الثالث والرابع، أي بعد المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وتقدم شهادات أكاديمية معترف بها عالميًا، وكلمة University اِشْتَقْتُ من اللاتينية
(universitas magistrorum et scholarium)
وتعني “مجتمع المعلمين والعلماء”، وتعد جامعة القسطنطينية التي أسسها الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني عام 425م في العاصمة البيزنطية من أوائل المؤسسات التعليمية التي اعتبرها البعض من أوائل الجامعات في العالم، رغم افتقارها إلى بنية الجامعة التي حُدِّدَت فيما بعد كمجتمع يضم الأساتذة والطلاب، وتُدَرَّس فيه مناهج تعليمية محددة، وتطلع بإجراء البحوث العلمية، وفي عام 1088م تأسست جامعة بولونيا في إيطاليا التي تعتبر رسميًا أقدم جامعة في العالم بالمفهوم الحديث، والتي بدأت كمدرسة رهبانية كاثوليكية، ثم انفصلت مع زيادة عدد الطلاب، بالجامعة حينها 23 كلية تُدرس الفنون والعلوم المختلفة والطب البشري والطب البيطري والقانون والزراعة والهندسة والرياضيات والصيدلة، وهي أول جامعة منحت درجة الدكتوراه عام 1219م. أما في المشرق العربي، فإن جامعة القرويين هي أولى الجامعات الإسلامية التي أسستها فاطمة الفهرية على أرض اشترتها من إرث والدها في مدينة فاس بالمغرب، حيث بدأت كمسجد ألحقت به دروس لحلقات العلم والتعليم؛ ومن ثم أُلْحِق مبنى خاص للدراسة بها، وكان ذلك عام 859م؛ وبذلك تكون الجامعة الثانية بعد القسطنطينية.
*الجامعات في العصر الحديث*
تطور التعليم الجامعي من حلقات التعليم في المساجد والكتاتيب ودروس الدين المسيحي في الكنائس إلى مبانٍ ضخمة ومناهج عمل عليها عشرات الأساتذة والمتخصصين، وطُوِّرَت على مدى سنوات طويلة، من مناهج بسيطة محددة تشمل العلوم الدينية الإسلامية والمسيحية ودروس فردية يتعلم من خلالها الطالب ما يريده من علم من أستاذ واحد يلازمه لفترة طويلة، ثم ينتقل إلى غيره كما كان يفعل العلماء المسلمون، أو من قسيس مهمته تعليم طلابه الكهنوت المسيحي وعلم اللاهوت كما تعلمه من أستاذه إلى مناهج كبيرة ومحاضرات وعلوم متنوعة من أساتذة مختلفين ومتخصصين في مختلف المجالات، ومع توسع المعلومات وزيادة تخصص العلوم والاكتشافات العظيمة بشكل تدريجي وزيادة قدرة الإنسان على معرفة الكون والعلوم بشكل أكبر وأوسع وأعمق، وقد استدعى هذا الانتقال العلمي -الذي أفاد البشرية وجعل العلماء والباحثين أكثر قدرةً على الابتكار والاكتشاف- تبني مؤسسات للتعليم المتقدم أطلق عليها اسم الجامعات بالمفهوم الحديث الذي يتطور كل يوم على نحو يواكب التطور العلمي والتقني.
تعد جامعة هاله (Halle) التي أسسها اللوثريون في عام 1694م من أوائل المؤسسات التعليمة في الغرب التي تخلت عن الأرثوذكسية الدينية مثل دراسة علم اللاهون والعلوم النصرانية لصالح البحث الفكري العقلاني والموضوعي، وهي الجامعة الأولى التي ألقى فيها المعلمون محاضرات باللغة الألمانية عوضا عن اللاتينية. وبعد قرن من الزمان تأسست جامعة غوتنغن (Göttingen) في عام 1737م على نسق ابتكارات جامعة هاله، ومن ثم تبعتها معظم الجامعات الألمانية والعديد من الجامعات الأمريكية. وفي أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر، أُزيح تأثير الدين المسيحي تدريجيًا كقوة مهيمنة في أوربا، وأصبحت الجامعات الأوروبية مؤسسات للتعلم والبحث الحديث، وعُلمِنت مناهجها وإدارتها، وتعد جامعة برلين (1809م) بألمانيا أول الجامعات في القرن التاسع التي اتجهت إلى البحوث المعملية وإعادة النظر في منهج التعاطي مع العقائد اللاهوتية والفلسفية والتقليدية الأخرى وبدقة وموضوعية جديدتين؛ واتخذت معايير حديثة للحرية الأكاديمية، ومن ثم أصبح النموذج الألماني لـ “الجامعة” تأثيرا عالميا أضحت بسببه الجامعات مجمعاً للمدارس العليا التي تجري البحوث والتجارب المتقدمة.



