مفاكرات وطنية مع رئيس الوزراء:(5-5) مفهوم البراغماتية الإدارية و مواصفات الوزراء المميزين

دكتور عبد الرحمن السلمابي
و لعل من مزايا الفكر الفلسفي البراغماتي الأمريكي أنه قد تمت ترجمته عملياً عبر منظومتهم التعليمية في حياتهم اليومية و معايشتهم و معايشهم .. و لعلنا قد نشير إلى بعض المميزات الهامة للتعليم الأمريكي خصوصاً الجامعي و الذي يتيح إمكانية التوسع الأفقي لمستوى دراسات البكالوريوس ، و كذلك الأفقي الرأسي فوق الجامعي حيث تعتبر درجة الماجستير و حتى الدكتوراة دراسات متخصصة و متاحة و منفصلة عن دراسات البكالوريوس التي قبلها … فمثلا يمكن لأي خريج جامعي في أى مجال دراسة ماجستير إدارة الأعمال أو الإدارة العامة و حتى قد تجد أيضا هنالك كورسات لدرجة الدكتوراة متاحة في الكثير من المجالات … و كذلك قد نجد دراسة القانون هنالك هى من الدراسات العليا التي تمنح درجة الدكتوراة المهنية (.J.D) مثلها مثل دراسة الطب … و تلاحظ أيضاً أن المواطن الأمريكي العادي يمارس و ربما مغرم جداً بحب علم الإدارة و كذلك لديه معرفة واسعة للقوانين و كيفية إحترامها .. و قد يبدو ذلك نتيجة تدريسهم و بل تدريبهم على ذلك الفهم و تلك المفاهيم منذ الصغر خصوصاً في المدارس .. و هذا ربما ينقصنا كثيرا في مناهجنا التعليمية … فقد نجدهم دائما في تخطيط لما سوف يفعلونه في اليوم و الأسبوع و الشهر و السنة و يكيفوا حياتهم وفق ذلك .. و كذلك معرفة أو إيجاد و تخصيص الميزانيات اللازمة لما سوف يفعلونه .
أما العلماء و الباحثون فهم في دراسات مستمرة و متشعبة عن علم الإدارة و القيادة و التنظيم الأمثل … فلقد توصلوا مثلا علميا بأن أفضل نمط أو إسلوب إداري هو ما يعرف بالإدارة التشاركية أو التشاورية (Participative leadership) المشار إليها سابقا و كذلك أن أفضل إداري هو من يتبع ذلك المنهاج … هنالك أيضا دراسة علمية عن تفوق ما يعرف بالتنظيم الإداري المسطح (Flat Organizational Structures) حيث يقلل من الطبقات و الحواجز الإدارية… و على ضوئه إبتدعوا الكثير من البرامج لكبريات الشركات مثل ترتيبات مقابلات شهرية بين كافة العاملين عبر القيام بدعوة لهم لحضور لما يعرف “بساعة المرح” يقدم فيها الشراب و طعام الكوكتيل بعد ساعات العمل في نهايات كل إسبوع أو كل الشهر و ذلك بغرض التواصل في حميمية إنسانية …
و الفكرة الأساسية تكمن في تقصير الظل الإداري و تكسير الحواجز المهنية البيروقراطية و إلتقاء كبار قادة الشركة مع عامة الموظفين و العمال و ربما أيضا مع كبار الزبائن و العملاء لمعرفة المزيد مما يدور في شركاتهم … و لعل من أشهر “دراسات الحالة” لتعزيز النظرية أو الفرضية أو الفكرة حدثت عند الطواف الدوري لأكبر رئيس لشركة فورد للسيارات على خطوط الإنتاج، كما أشرنا سابقاً و كيف أن العامل الزنجي البسيط أسهم في تحويل مفتاح العجل اليدوي إلى هيدروليكي و وفر بذلك كثير من الوقت و الجهد و المال ..
و لعل التمعن في دراسة تلك الحالة تفيد أهمية أن يكون المسؤول الأول في كافة دواوين الحكومة شخص ميداني يقف على مجريات الأحداث و يعمل على المساعدة في اكتشاف أو إيجاد الحلول الناجعة للمعضلات الإدارية و رضاء الجمهور أو الزبائن أو العملاء … و تجدر الإشارة وفقاً لتلك المعايير بالعمل الميداني قد نجد مثالا في وزير التخطيط العمراني ولاية الخرطوم د. شرف الدين بانقا فقد كان إداريا مميزا حيث جعل أحد أيام عمل الإسبوع مخصص لمقابلة الجمهور لمعالجة المشاكل و الإستماع إلى مظالمهم و شكواهم و بحضور كافة المدراء و الموظفين المختصيين و كان يستمع للطرفين و يعالج الأمور منصفا للجمهور … و قد قيل أيضا الولوج للعمل الميداني من صفات قيادة الباشمهندس مكاوي محمد عوض في إدارة الكهرباء … و قد إستبان بعض تباشير العمل الميداني للسيد رئيس الوزراء المعين حديثا د. كامل إدريس و جولاته حول بعض المؤسسات الحكومية…
يلاحظ مؤخرا أيضا أن حذت المملكة البريطانية المتحدة حذو النظام التعليمي الجامعي الأمريكي و سمحت للجامعات خصوصاً في إسكوتلاندا بتدريس درجتي ماجستير العلوم في جيولوجيا النفط و كذلك في هندسة النفط لأي تخصص بكالوريوس دون التقيد بشروط التخصص الدقيق المطلوب في البكالوريوس كما كان في سابق العهد، و لعل تلك الدراسات فرضت نفسها بعد إكتشافات نفط بحر الشمال في حقبة الثمانينات بواسطة الشركات الأمريكية و صحبها استجلاب مكثف لعمالتها من أمريكا ،،، وذلك لعدم وجود كفاءات من أهل البلد لإفتقادها لتدريس تلك التخصصات المطلوبة في الصناعات النفطية المربحة جداً… و وفقا لذلك واكبت بريطانيا ربط التعليم الجامعي بالتنمية و التطور الإقتصادي و بسوق العمل في مجال صناعة النفط و الغاز …
أما مفهوم السياسة الحديث يفيد بأنها صارت علم من العلوم مثلها مثل الطب البشري أو البيطري أو غيرهما حيث الهدف هو إكتشاف و إيجاد و تشخيص و معالجة العلة و متابعتها البعدية و معرفة مسبباتها و محاولة منعها و معالجتها عبر الطب الوقائي و وفقا لذلك فالطبيب هو عالم باحث في مجال تخصصه … و بنفس المستوى المفروض أن يكون السياسي الدارس للعلوم السياسية و التي تشمل الإدارة العامة للمرافق و المؤسسات و الوزارات الحكومية و كذلك العلاقات الدولية …
و لعل المفهوم لدى عامة الامريكان عن السياسيين يعتبرهم أنهم مجرد مدراء أو رؤساء عامين للمؤسسات أو المرافق الحكومية أو سكرتيريين (وزراء) للوزارات ،،، و أنه مطلوب منهم أن يعملوا على تقديم خدمات غير ربحية للجمهور في المؤسسات المعينة … و لكن قد تحدد طرق تعينهم أوصافهم أما كبيروقراطيين عبر المعاينات و التدرج الوظيفي أو سياسيين عبر تعيين سياسي سواء مباشرة من السلطات أو عبر الإنتخابات لبعض الوظائف … إذا موضوع تعريفهم بأنهم “سياسيين” فهذه تعتبر مجرد “صفة فقط” و ليس مهنة ،، حيث المهنة الأساسية هى الإدارة الناجحة و الفاعلة و الفعالة و منتخبين لإدائها … و في حالة الإخفاق لن يعاد إنتخابهم لإدارة تلك الإدارات الكبري أو الصغرى ..
و لعلنا نتحدث عن أهمية إختيار الوزراء من البيروقراط و الباحثين التكنوقراط ممتلكي صفات الكريزما القيادية … لقد إشارات إحدى بحوث الدكتوراة في الجامعات الأمريكية عن صفات وزراء الرئيس الأسبق نميري و بينت أن أكثر من 80% منهم من حملة شهادات دراسات عليا من البلدان الأوروبية سواء الغربية أو الشرقية أو أمريكا أو الإتحاد السوفيتي … طبعا قد ساعد نميري في سهولة الإختيار أن معظم المختارين كانوا من البيروقراط الموظفين في الوزارات و المؤسسات و قد تم ابتعاثهم منها لنيل الدراسات العليا التخصصية مما جعلهم باحثين في مجالاتهم … إضافة إلى ذلك فقد كان الذكاء الجمعي لديهم عالي جدا حيث كانت الجامعات تخرج القليل من الطلاب من المميزين أكاديميا عبر الذكاء و الإجتهاد الشخصي … فقد نجد مثلا د. جعفر محمد على بخيت الذي له بحوث علمية مقدرة في مجال الحكم الشعبي المحلي حيث تم تطبيقه عبر منظومة الضباط الإداريين الذين تلقى معظمهم دراسات عليا في بريطانيا في مجالهم أمثال د. الأصم و د. جلال محمد أحمد و د. آدم الزين و غيرهم … فالوزراء أو وزراء الدولة أو قادة المؤسسات الحكومية في عهد الرئيس نميري لوزارات مثل الزراعة و الغابات و الثروة الحيوانية و التعدين فكان يتم إختيار معظمهم من الدكاترة من هيئات البحوث العلمية مثل البحوث الزراعية أو بحوث الثروة الحيوانية أو بحوث الغابات أو البحوث الجيولوجية … أى من البيروقراط تكنوقراط و الباحثين في مجالهم ،،، و لعل أشهر مثال منهم هو المرحوم الدكتور عثمان عبد الوهاب الإقتصادي الشهير و المتدرج في وزارة المالية من مدخل الخدمة حتى منصب وكيل ثم وزير و برع في عهد نميري و كذلك عهد الإنقاذ و له مؤلفات عن إنجازاته إبان فترة توليه منصب الوزير خصوصا في عهد الإنقاذ حيث شهد عهده نمو إقتصادي غير مسبوق و ثبات في قيمة الجنية السوداني مقابل العملات الأجنبية لفترات طويلة … و لعل الذي يميز هؤلاء الوزراء البيروقراط تكنوقراط الباحثين هو امتلاكهم لما يعرف بالمعرفة الضمنية أو (Tacit Knowledge) و قد تعرف وفق مفهومها العلمي بالآتي: هي المعرفة والمهارات والقدرات التي يكتسبها الفرد من خلال الخبرة ، والتي غالبًا ما يصعب التعبير عنها بالكلمات أو التواصل بها … و تُعرف المعرفة الضمنية أحيانًا بمصطلحات بديلة، مثل: المعرفة التجريبية أو المعرفة القبلية” … و قد تشمل معرفه الأفراد و الزملاء و الثقافة المهنية السائدة و سلوكيات المؤسسة و الأفراد و طبيعة تصرفاتهم … لذلك عندما يتم تعيين وزراء من خارج الوزارة أو المؤسسة الحكومية لابد من وجود ممانعة أو مماحكة أو معاكسة من موظفي الداخل و قد لا تكون بشكل علني ظاهر و إنما ضمنية … و هذه ظاهرة درست كثيرا في علم الإدارة حيث عرفت بمقاومة التغيير أو (Resistance to Change) … و قد أدركها العالم د. أنطوني داون و أشار إليها في كتابه المشهور “السلوكيات الإدارية” …. (Administrative Behaviors) … إذا فطالما أن الفترة الإنتقالية قصيرة نسبيا فمن الأفضل الإستعانة بمثل هؤلاء الوزراء كما في عهد نميري … و يلاحظ أيضا أن الكثير منهم شارك أو مازال يشارك و يتعاون في البحوث العلمية و التدريس الجامعي … لذلك يبدو أنه من أهم ميزات الوزراء البيروقراط تكنوقراط الباحثين هو الربط مابين المنهجية العلمية و الإدارة البيروقراطية حتى لا يصيبها الجمود أو التحجر الفكري … فهم حلقة الوصل أو الجسر بين إدارة المرافق الحكومية و تطبيق المنهجية العلمية او كذلك ما بين البيروقراطية الإدارية و المعرفة الفنية التكنوقراطية الاي ربما مفقودة في مجالات صناعة البترول كمثال ..
لقد صار هنالك تطور أكاديمي المستمر فيه حيث في عام 2000 م أقنع د. لاري كنش (Larry Kinch) الملياردير الإسكوتلندي و الإداري الخبير و المهندس العبقري و مكتشف العديد من المعدات و الأدوات و الأجهزة الدقيقة لصناعة البترول جامعة أبردين (Aberdeen) العريقة و المشهورة بقيام ماجستير في كلية جيلوجيا البترول لإدارة جميع أعمال البترول الفنية و الإدارية و قد تبرع لدعم ذلك الماجستير و أطلق عليه إسم Hydrocarbon (Oil & Gas) Enterprise Managament و التي هى خليط و مزيج ما بين العمل الهندسي و الجيولوجي الفني و بين العمل الإداري و الغير هندسي أو فني مثل الإقتصاد و القانون و السياسة و المحاسبة … و أسماها النظرة العليا الشمولية لإدارة الصناعة أو (Helicopter views) ,و الفكرة أنه لابد لأى مدير أو مسؤول في قطاع البترول يكون له كامل الإلمام بكافة عمليات البترول سواء الفنية أو الإدارية لكي تنجح أكثر المنظومة … و لعله عبر الوزراء البيروقراط تكنوقراط الباحثين من أصحاب الكريزما القيادة يمكن تحقيق العديد من التطور و تحقيق الرفاهية للشعب السوداني مستقبلا و تحقيق إعادة البناء و الاستقرار في أسرع وقت ممكن … و الله المعين …



