رأي

الإدارة المؤسسية للموارد المائية في السودان: كيف تتعظّم المنفعة والكفاءة؟

د. عمار عبد الرحمن **

في خضم تشكيل حكومة الأمل برئاسة الدكتور كامل إدريس — رئيس مجلس الوزراء السوداني، وما صاحب ذلك من تغييرات سياسية وإدارية، عاد إلى السطح جدل واسع حول مستقبل وزارة الري والموارد المائية، بعد تداول مقترحات بدمجها كليًا أو جزئيًا ضمن وزارات أخرى، مثل الزراعة أو البيئة والتنمية المستدامة. ويزداد القلق مع تضارب التوجهات بين من يدعو إلى توزيع المهام (الري للزراعة، والموارد المائية للبيئة)، ومن ينادي بتبعية كاملة للوزارة إلى الزراعة، مما يعكس حالة من الارتباك المؤسسي وغياب الرؤية الموحدة.

تضارب التصريحات حول مصير الوزارة يكشف أن القرار لم يُبنَ على دراسة استراتيجية أو تقييم مؤسسي واضح، بل يبدو نتيجة لتفاهمات سياسية أو ترتيبات مرحلية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن توزيع المهام، لم تُقدَّم أي خطة أو آلية تنسيق تضمن الانسجام بين وزارتين تختلفان في الرؤية والتكوين الإداري. أما من يدعمون الدمج الكامل في وزارة الزراعة، فيغفلون عن تعقيدات إدارة الموارد المائية القومية، والتي تشمل ملفات دولية، وسدود، وكهرباء، ومياه شرب، وصرف صحي، وحماية البيئة، وكلها تتجاوز نطاق اختزال الموارد المائية في الزراعة المروية التقليدية.

التجربة السودانية، كما الإقليمية، مليئة بالدروس التي تؤكد أن تفكيك قطاع الموارد المائية أو تجزئته بين مؤسسات متعددة يؤدي إلى إضعاف القدرة المؤسسية للدولة، وفقدان التوازن المطلوب بين الاستخدامات المختلفة لهذا المورد الحيوي. فوزارة الري والموارد المائية في السودان ليست مجرد جهاز فني – تنفيذي، بل هي مؤسسة قومية عريقة قامت بدور مركزي منذ بدايات القرن العشرين في إدارة مشروع الجزيرة، وتطورت لتغطي مجالات الري، السدود، الكهرباء، حصاد المياه، المياه العابرة للحدود، والتخطيط المائي.

ومن أبرز المهام الاستراتيجية التي تضطلع بها الوزارة كذلك، الإشراف على الإدارة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي، وهي واحدة من أكثر الخدمات إلحاحًا في ظل تدهور البنية التحتية وارتفاع مؤشرات الفقر والهشاشة. أي محاولة لتهميش هذه الإدارة أو إضعاف موقعها المؤسسي تمثل تهديدًا مباشرًا لحقوق المواطنين الأساسية ولأهداف التنمية المستدامة.

ما نشهده اليوم من صراع خفي بين القطاعات – الزراعة، البيئة، الطاقة – حول تبعية الموارد المائية، ليس دليل حيوية مؤسسية، بل مؤشر خطر. فكل طرف يحاول بسط نفوذه، دون أن تكون هناك رؤية قومية تُراعي طبيعة المورد وتعدد استخداماته، وتضع المصالح الكلية للسودان والمواطنين فوق المصالح المؤسسية.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا السياق: كيف تتعظّم المنفعة والكفاءة في إدارة الموارد المائية للسودان؟

الإجابة لا تُبنى من منظور قطاعي أو فني ضيق، بل من منظور قومي شامل، ووفق ممارسات عملية وعالمية، يأخذ في الاعتبار التشابكات بين الأمن المائي، الغذائي، والطاقي، إلى جانب الالتزامات الإقليمية والدولية، ومتطلبات العدالة البيئية والإنصاف بين الأقاليم وولايات السودان المختلفة.

من هذا المنطلق، فإن أي خطوة نحو إعادة هيكلة هذا القطاع الحساس يجب أن تخضع لحوار قومي شفاف، تشارك فيه الكفاءات السودانية، والمؤسسات البحثية، والمزارعون، والخبراء، وممثلو المجتمعات المحلية. كما أن الحاجة إلى كيان مؤسسي موحد للموارد المائية – سواء تحت مظلة وزارة أو هيئة مستقلة – باتت أوضح من أي وقت مضى، لضمان التخطيط المتكامل، والحوكمة الرشيدة، والتوزيع العادل.

ما يجري اليوم ليس مجرد إعادة توزيع اختصاصات إدارية، بل هو إعادة رسم للخريطة السيادية على الموارد المائية في السودان. ولا يليق أن يُحسم بهذا الشكل المرتبك، بل ينبغي أن يكون نتاجًا لرؤية قومية، مدروسة وشفافة، وتشاركية، تضع السودان أولًا، وتستوعب الاستخدامات المختلفة للموارد المائية، والأبعاد الدولية والإقليمية، والتوزيع العادل للمشروعات التنموية داخل السودان، بمنظور استراتيجي يراعي استدامة الموارد المائية للأجيال القادمة.

** مختص في الإدارة المتكاملة للموارد المائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى