رأي

العنصرية و السياسة السودانية

دكتور عبد اللطيف البوني

قلنا في آخر مقال إن القبلية رابطة بشرية يدعي المنتمون إليها الانحدار من أب أو جد واحد، فهي رابطة سلالية متعلقة بالمولد، أما العنصرية فهي تشير إلى لون البشرة وتقاطيع الجسم.. فالله خلق البشر بألوان مختلفة باختلاف جغرافياتهم فليس هناك سبة أو معرة في أي لون طالما أن الإنسان ليس له يد في لون بشرته ولكن التدافع والأطماع البشرية هي التي جذبت العنصر إلى أدوات الصراع، فالمنتصر يعلي دائما من عنصره لاستمرارية انتصاره ويحقر من العنصر الآخر لتبرير اضطهاده.. وللشعوب أساطير ونظريات مختلفة في هذا الشأن

في أفريقيا مثلا حيث يسود اللون الأسود لم تكن هناك مشكلة عنصرية لونية قبل الاحتكاك بأوروبا.. الذين قراوا كتاب الجذور The Roots.. للكاتب الأمريكي من أصل افريقي إليكس هيلي سوف يجدون أنه قبل تجارة الرق كان اللون الأسود هو ذي القيمة الجمالية العالية فكلما كانت المرأة أكثر سواداً كلما كانت أكثر جمالا وما تغيير لون الشفاه (دق الشلوفة) والخضاب (الحنة) إلا ليسود السواد كل الجسم…

ثم جاءت النهضة الأوروبية والثورة الصناعية وما تبعهما من تجارة رق واستنزاف بشري لأفريقيا ثم ظهور النظريات التبريرية مثل عبء الرجل الأبيض وسمو اللون الأبيض (نظرية رينان)..

نحن في البقعة المسماه الآن سودان غشيتنا كل هذه التطورات العنصرية البشرية فشهدنا هذة التراتبية العنصرية وتجارة الرق ومحاربة تجارة الرق… وماجت منطقتنا قبل ظهور السودان الحديث وبعده بالتراتبية والتميزات العنصرية إلى نهاية الدولة المهدية.. هذا رغم أن بلادنا هذة لاتضم عنصراً أبيض ولكن تضم تشكيلة لونية عينة… أسود.. الخضرة الدقاقة.. خاطف لونين.. لون فاتح (Fair).. هنا أذكر استاذنا في المرحلة الوسطى الإسكندر وهو من جنوب السودان.. كان يدرسنا اللغة الانجليزية عندما أراد أن يشرح كلمة فير Fair أشار لي قائلاُ ElBoni is fair ففهما بعض الزملاء بمعنى حلبي..

ما إن سيطر الانجليز على السودان إلا حرموا تجارة الرق لا بل حاربوها ليس حباً في السودانيين إنما استجابة لحركات حقوق الإنسان الأوروبية والتي أرادت بها أوروبا غسل خطيئتها العنصرية التاريخية المشار إليها أعلاه،

ولكن الإنجليز مارسوا سياسات اقتصادية واجتماعية مختلفة في السودان… خاصة فيما يتعلق بجنوب السودان وعلى حسب المفكر علي المزروعي.. أنهم في شمال السودان مارسوا الاستعمار والذي به شيء من التنمية… بينما في الجنوب مارسوا الاستغراب وهو يعني صناعة الأوروبي الأسود..

إذن ياجماعة الخير التراتبية العنصرية في السودان كانت موجودة قبل الاستعمار ولكن الانجليز أضافوا لها بعدا تنمويا… فكان من الطبيعي أن يكون لها وجود في دولة السودان المستقلة رغم أن الدولة لم تشرع أي قوانين عنصرية كما كان حادثاً في أمريكا قبل حركة الحقوق المدنية وفي جنوب أفريقيا قبل إنهاء سيطرة البيض.. فدولة السودان المستقلة دولة ديمقراطية كاملة الدسم فيما يتعلق بالنواحي العنصرية.. ومع ذلك المجتمعات السودانية لا تخلو من تراتبيات عنصرية وتمايزات تتعلق بالعنصر وهذه طبعا منقصة لكن لا تعالج بالسياسة فالمجتمع سوف يعالجها بأعرافة وقد بدأت هذة المعالجات تظهر ولكن ببطء.. فطالما أن الاشتهاء العاطفي موجود فالعجلة ستدور على حسب الدكتور جعفر ميرغني… وأنا ما بفسر وأنت ما تقصر…

شهدت الحركة السياسية السودانية في مسيرتها تنظيمات قائمة على الجهوية العنصرية فهناك مَن حاول إعطاء مشكلة جنوب السودان بعداً عنصرياً ثم ظهرت ما أسمت نفسها الكتلة السودان كحركة مثقفين عنصرية مع بواكير الاستقلال فلم تنجح ثم ظهر إتحاد جبال النوبة ومؤتمر البجا وجبهة نهضة دارفور في انتخابات الستينات ولكن في انتخابات 1986 لم يظهر إلا إتحاد جبال النوبة بعد أن غير اسمه إلى الحزب القومي السوداني بقيادة الأب فيليب عباس غبوش… فالأب فيليب لم يدعو لانفصال إنما كان داعية حقوق نوبية.

وليس بعيداً من الأب فليب وضع جون قرنق مشكلة جنوب السودان في إطار تنموي أي صراع هامش ومركز ولكن اغتيال جون قرنق أنهى مشروعة السياسي ثم جاء انفصال الجنوب ليشيعه إلى مثواه الأخير، فالخارج كان أقوى وساعد الخارج حركة القوميين الجنوبيين…. أما حميدتي فقد شقلب الأوضاع العنصرية شقلبة شديدة (طبعا شغل حميدتي قيد الدراسة فهو مازال في حالة تفاعل ودوران).

يمكننا القول وبتحفظ شديد أن العنصرية في السودان ومن ناحية سياسية هي الآن في حالة أقرب للسكون ومحدداتها مازالت كبيرة ولعل أولها ومن ناحية موضوعية أن السودان أصلا لحم راس وتصعب الدعوة فيه إلى نقاء عنصري… الآن الطالع في الكفر السياسي هو القبلية فأي عنصر في السودان تموج في داخله عدة قبائل وقد تكون متصارعة…. كما أن الدين الإسلامي يكبح كثيرا من جماح العنصرية ثم أضف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني من نقابات واتحادات وأندية رياضية وثقافية فموجة الحداثة لابد أن يكون لها أثرها على العنصرية

ولكن رغم كل الذي تقدم يجب أن نفتح أعيننا (قدر الدولار ابو مية) وياحليل الريال أبوعشرة فهذا الدولار أبو مية يمكنه أن يشعل حركة عنصرية لا تبقي ولا تذر…. فانتبهوا أيها السادة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى