لقاء البرهان بزيورخ … أمريكا تطرق باب السودان

مهند عوض محمود
في خطوة تُعد الأكثر وضوحًا في مسار الانخراط الأمريكي المباشر في الأزمة السودانية، التقى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، بالمستشار الأمريكي الأعلى للشؤون الأفريقية في إدارة الرئيس دونالد ترمب، مسعد بولس، وذلك في مدينة زيورخ السويسرية ؛ الاجتماع الذي استغرق ثلاث ساعات وجاء بترتيب قطري خاص ؛ اللقاء لم يكن مجرّد حدث دبلوماسي عابر، بل بدا أنه يشكّل منعطفًا حقيقيًا في تعاطي واشنطن مع الحرب في السودان، ويكشف عن تحوّل استراتيجي أمريكي في فهم موازين القوة داخل البلاد، وربما في كامل الإقليم.
شخصية مسعد بولس بحد ذاتها تضيف ثقلًا للقاء. فهو ليس مجرّد دبلوماسي، بل شخصية نافذة ترتبط مباشرة بعائلة الرئيس الأمريكي ترمب، كونه والد مايكل بولس، زوج إبنة الرئيس ترامب… بولس، الذي تولّى في مارس 2025 منصبه كمستشار رفيع للرئيس الأمريكي مكلف بشؤون أفريقيا، برز سريعًا على الساحة الدولية من خلال دوره المركزي في تسوية أحد أعقد النزاعات في القارة … النزاع بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا ؛ ففي أبريل الماضي (بعد أسابيع من تعيينه)، قاد جولة شملت كينشاسا وكيغالي ونيروبي وكمبالا، بهدف نزع فتيل التوترات المتصاعدة شرق الكونغو، حيث كانت القوات الرواندية تدعم فصائل مسلحة على رأسها حركة “M23”. وتمكن بولس، بدعم قطري واضح، من التوصل إلى إعلان مبادئ تم توقيعه لاحقًا في واشنطن، برعاية وزير الخارجية ماركو روبيو، وانتهى بتوقيع اتفاق سلام شامل في يونيو 2025 تضمن انسحابًا مرحليًا للقوات الرواندية وتأسيس آلية مراقبة أمريكية–أفريقية مشتركة. هذا الإنجاز الدبلوماسي عزز مكانة بولس كمبعوث ناجح يعتمد على الوساطة الذكية المدعومة بالمصالح الاقتصادية، لا على التدخل العسكري والأمني المباشر، فقد شمل اتفاق الكنغو ورواندا التزامات مباشرة من الولايات المتحدة بدخول مستثمرين وشركات أمريكية للاستثمار في المناطق الغنية بالمعادن الحيوية كمصدر للكوبالت والليثيوم والتانتالوم، ضمن شروط شفافة ومنظّمة تسمح لها بالمساهمة في إعادة البناء الاقتصادي ؛ ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها الرد الأمريكي الاستراتيجي في مواجهة النفوذ الصيني في مجال المعادن الإفريقية ؛ فضلاً عن تعزيز التعاون في مجالات مثل الطاقة والبنى التحتية وسلاسل الإمداد المعدنية والصحة العامة والسياحة، ويتم إعداد تفاصيله ضمن جدول زمني واضح دوليًا .. وربما يكون السودان مهيئاً لتطبيق النموذج نفسه من وجهة نظر امريكا.
اللقاء مع البرهان لم يكن وليد رغبة أمريكية مفاجئة، بل هو نتيجة تحوّل تكتيكي بدأ منذ أسابيع، حين اتخذت واشنطن قرارًا بالتخلي عن العمل داخل إطار الرباعية التقليدية (التي تضم مصر، السعودية، الإمارات، وأمريكا) لصالح سياسة التواصل المباشر مع أطراف الصراع السوداني ؛ هذا التوجه أعلنه صراحة الرئيس ترمب في لقائه يوم 9 يوليو 2025 مع خمسة من القادة الأفارقة، وهم رؤساء غينيا بيساو، السنغال، موريتانيا، الغابون، وليبيريا، حيث أكد أن بلاده ستتحرك منفردة لوقف الحرب في السودان إن لم تتوصل الأطراف الإقليمية إلى حل فعّال ؛ ويبدو أن أولى خطوات هذا التحرك كانت عبر دعوة البرهان إلى لقاء شخصي مع مسعد بولس، بعيدًا عن الإعلام، وضمن ترتيب دبلوماسي رفيع المستوى أشرفت عليه الدوحة.
دور قطر في هذا السياق لا يُستهان به ؛ فالعاصمة القطرية كانت ولا تزال محطة أساسية في تسويات الصراعات الإقليمية، سواء في دارفور، أو أفغانستان، أو حتى شرق أفريقيا. ولعلاقة قطر الدافئة بالسودان، إلى جانب تحالفها الإستراتيجي مع واشنطن – الذي يشمل استضافة أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وتعاونًا في ملفات حساسة كأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب – فإنها مثّلت الخيار الأمثل لترتيب هذا اللقاء عالي الحساسية ؛ ومن غير الواضح ما إذا كانت الدوحة هي من اقترحت المبادرة، أم أن واشنطن استعانت بها لتنفيذ خطتها، لكن الثابت أن اللقاء كان برغبة أمريكية وبموافقة سودانية مدروسة.
البرهان في هذا اللقاء لم يظهر بصفة الطرف الضعيف الباحث عن هدنة، بل بشخصية القائد الذي يمتلك اليد العليا ميدانيًا ؛ وقد صرّح خلال الاجتماع – وفق ما نُقل – أن قوات الدعم السريع “لن تكون جزءًا من أي حكومة انتقالية”، مؤكدًا على ضرورة تسريحها ومحاسبة قادتها على الجرائم والانتهاكات التي ارتكبوها ؛ هذه اللغة الصريحة تحمل رسائل قوية، ليس فقط لمسعد بولس، بل للمنظومة الدولية بأكملها، مفادها أن لا تسوية سياسية ممكنة ما لم تُحترم هيبة الدولة ومبدأ المحاسبة ؛ كما أن البرهان حرص على حصر النقاش في ملف الحرب وآليات وقفها، دون الغوص في قضايا أخرى عالقة في العلاقات السودانية – الأمريكية مثل العقوبات أو الملفات الاقتصادية، وهو ما يعكس وعيًا سياسيًا عميقًا وإدراكًا بأهمية التركيز الاستراتيجي في لحظة تفاوض دقيقة.
بموازاة هذا اللقاء، جاء بيان مجلس الأمن الدولي الرافض للاعتراف بأي حكومة موازية أو سلطة أمر واقع غير معترف بها في السودان، وهو ما يفهم على أنه ضربة دبلوماسية لمحاولات قوات الدعم السريع تأسيس شرعية بديلة في المناطق التي تسيطر عليها. ورغم عدم وجود دلائل دامغة على أن الولايات المتحدة دفعت مباشرة نحو هذا القرار، إلا أن التزامن بين التحرك الأمريكي المباشر وبين مواقف مجلس الأمن يطرح فرضية التأثير غير المباشر، أو على الأقل التوافق الضمني في الرؤية.
إذاً، ما الذي تريده أمريكا من هذا اللقاء؟ وهل ترغب فقط بوقف الحرب لأسباب إنسانية، أم أنها ترى في الجيش السوداني، بقيادة البرهان، شريكًا مستقبليًا محتملاً؟ المؤشرات ترجّح الاحتمال الثاني ؛ فبعد فشل كل محاولات فرض واقع جديد عبر مجموعات غير نظامية، وبعد أن أثبت الجيش تماسكه وقدرته على الصمود بل والتقدم ميدانيًا ، يبدو أن واشنطن أعادت حساباتها، وأدركت أن المؤسسة العسكرية السودانية تمثل الضامن الحقيقي لاستقرار البلاد. هذا لا يعني بالضرورة أنها ستدعم خيارًا عسكريًا صرفًا، لكنها قد تكون أكثر ميلاً للتفاهم مع جيش يمتلك الشرعية والسيطرة، بدلاً من الرهان على فصائل انهارت صورتها داخليًا وخارجيًا.
نجاح هذه المبادرة الأمريكية، التي تحمل بصمة مسعد بولس، سيعتمد على توازن دقيق بين قوة الجيش ميدانيًا ومرونته سياسيًا، وعلى قدرة واشنطن على ترجمة تفاهماتها مع البرهان إلى تحولات ملموسة على الأرض ؛ فإما أن يكون لقاء زيورخ بداية مسار جديد نحو سلام حقيقي ومستقر، وإما أن يضاف إلى قائمة المبادرات التي عجزت عن مجاراة تعقيدات الواقع السوداني. لكن ما هو مؤكد حتى اللحظة، أن أمريكا لم تعد تراقب من بعيد، بل دخلت إلى قلب المعركة – هذه المرة، بأدوات دبلوماسية، ووسيط يحمل اسماً جديداً على الساحة، لكنه يحمل في جيبه تجربة سلام ناجحة من الكونغو ورواندا، وربما… من السودان لاحقًا.



