رأي

قرارات اقتصادية جريئة في بورتسودان… هل تكبح جماح الدولار؟

مهند عوض محمود

اعتمدت لجنة الطوارئ الاقتصادية بمجلس الوزراء برئاسة الدكتور كامل إدريس حزمة من القرارات الاقتصادية التي وُصفت بأنها الأكثر جرأة منذ اندلاع الحرب، إذ هدفت في مجملها إلى ضبط الأداء الاقتصادي وحماية قيمة الجنيه السوداني من الانهيار؛ تضمنت القرارات منع استيراد البضائع من دون استيفاء الضوابط المصرفية والتجارية وحظر دخول أي شحنات لا تطابق المواصفات؛ تفعيل دور قوات مكافحة التهريب ومنحها الوسائل التقنية واللوجستية لمواجهة التحديات؛ اعتبار حيازة أو تخزين الذهب بلا مستندات رسمية جريمة تهريب يعاقب عليها القانون مع تتبعه بدقة منذ لحظة الإنتاج وحتى مرحلة التصدير؛ حصر شراء وتسويق الذهب في جهة حكومية واحدة على أن تلتزم هذه الجهة بتوفير النقد الأجنبي للمستوردين؛ إنشاء منصة قومية رقمية لمتابعة حركة الواردات والصادرات من بلد المنشأ حتى وصولها إلى الموانئ السودانية؛ مراجعة قرار تنظيم استيراد السيارات، وضبط عمليات الاستيراد عبر ما يعرف بالطبالي في الموانئ والمعابر؛ مراجعة أوامر الطوارئ الولائية التي تفرض جبايات غير قانونية بما يخفف الأعباء عن المواطن؛ وأخيراً مراجعة سياسات الصادر وإزالة العقبات التي تعيق انسياب الصادرات وزيادة تدفق العملات الصعبة عبر القنوات الرسمية.

هذه الحزمة تبدو شاملة من حيث المبدأ، غير أن نجاحها يتوقف على آليات التنفيذ ومدى انسجامها مع الواقع الاقتصادي المعقّد؛ فإلزام الاستيراد عبر القنوات المصرفية يحد من التلاعب والفواتير الوهمية، لكنه في ظل شح العملات الأجنبية وضعف شبكة المراسلات البنكية يهدد بشلّ حركة التجارة النظامية ودفع التجار نحو السوق الموازي، وهو ما قد يفاقم الضغط على سعر الصرف؛ أما ما يتعلق بالذهب، فإن اعتبار حيازته من دون مستندات رسمية جريمة تهريب خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكنها قد تتحول إلى عقبة جديدة للمعدنين التقليديين ما لم تُفتح أمامهم قنوات شراء رسمية وبأسعار قريبة من المستويات العالمية، فالتجارب السابقة أثبتت أن أي تسعير إداري بعيد عن السوق يشجع على التهريب ويقلل من تدفق العائدات عبر القنوات الرسمية؛ أما المنصة الرقمية فهي أكثر القرارات وعداً، فهي تغلق أبواب الفساد في الموانئ والمعابر وتزيد الإيرادات وتقلل زمن التخليص، وهذا يعزز ثقة الأسواق في الاقتصاد ويدعم الجنيه أمام الدولار؛ وأما مراجعة قرار استيراد السيارات وضبط الاستيراد غير المقنن فسيضع حداً لتشوهات قديمة استنزفت موارد النقد الأجنبي، وإذا طُبّق بصرامة فسيوفر للدولة مورداً كبيراً كان يتسرب لسنوات.

غير أن أخطر المعوقات التي تواجه حركة الصادرات السودانية هي الجبايات المفروضة عشوائياً من قبل الولايات، والتي تحولت إلى آفة تعيق التدفقات الطبيعية للسلع؛ ففي القضارف مثلاً فُرضت رسوم إضافية على صادرات السمسم في الموسم السابق من دون أي دراسة أو تقييم لتأثيرها على تكلفة التصدير، الأمر الذي جعل تكلفة المنتج السوداني أعلى من السعر العالمي، ولم تتوافق أسعاره مع الأسواق الخارجية إلا بعد ارتفاع الدولار مقابل الجنيه، وهذه حالة غير صحية لأنها تعني أن ربحية التصدير لم تتحقق نتيجة ميزة تنافسية أو كفاءة في الإنتاج، بل فقط بسبب انهيار العملة الوطنية، وهو ما يحوّل العائدات إلى تعويض عن فقدان قيمة الجنيه بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية الاقتصادية.

وفي هذا السياق جاءت الدعوات من مستويات عليا بعد تحرير الخرطوم، فقد دعا والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وكذلك رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق إبراهيم جابر، السودانيين عامة والتجار وأصحاب الأعمال خاصة إلى العودة إلى العاصمة واستئناف أنشطتهم التجارية والاستثمارية باعتبار أن الحركة الاقتصادية في الخرطوم تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني؛ غير أن ما حدث على أرض الواقع جاء مخالفاً لهذه الدعوات، إذ سارعت بعض المحليات منذ اليوم الأول لعودة النشاط إلى فرض جبايات ورسوم جديدة على أصحاب الأعمال، وهو ما شكل صدمة منفرّة للتجار والمستثمرين، فبدلاً من أن يجدوا بيئة مشجعة للاستقرار وجدوا عراقيل مالية تضاف إلى المخاطر الأمنية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى إعادة التفكير في جدوى العودة، بل وبدأ بعض العائدين يحذرون غيرهم من الإقدام على العودة طالما بقيت هذه الممارسات قائمة.

وهنا تتضح المعضلة الكبرى: الدولة المركزية تدعو للإصلاح، بينما المحليات تُفشل الإصلاح على الأرض. هذه الفجوة ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي التي تحدد مصير الاقتصاد، فالمستثمر الأجنبي والمحلي لا يثق إلا في استقرار السياسات عبر كل المستويات. إذا قال المركز “لا جبايات” وفرضت المحلية “رسوماً جديدة”، فالنتيجة أن الجميع يلجأ إلى السوق الموازي ويبتعد عن القنوات الرسمية، وهذا بالضبط ما يغذي الطلب على الدولار ويضعف قيمة الجنيه.

ومن المفيد في هذا السياق النظر إلى تجارب دول أخرى خرجت من الحروب والأزمات؛ فلبنان بعد الحرب الأهلية واجه تحديات مشابهة تتعلق بالرسوم غير القانونية وتعدد مراكز الجباية، لكن الدولة حسمت الموقف بإلغاء الجبايات المحلية وربط كل الإيرادات بالخزينة العامة، ما سمح بعودة النشاط التجاري تدريجياً إلى بيروت وإنعاش قطاع الخدمات؛ رواندا بعد الإبادة الجماعية اعتمدت على سياسة مركزية صارمة لإلغاء الجبايات الولائية والبلدية وربط الصادرات بمؤسسة وطنية لتسويق البن والشاي، ومع مرور الوقت تحولت رواندا إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في إفريقيا؛ العراق بعد 2003 واجه فوضى مماثلة مع تعدد مراكز القوة في الموانئ، ولم يستقر الوضع إلا عندما أُنشئت هيئة الجمارك المركزية التي أشرفت مباشرة على المنافذ وألغت الرسوم المتعددة؛ أما ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فاختارت مبدأ “اقتصاد السوق الاجتماعي” وألغت القيود والضرائب المتعددة على التجارة وربطتها بالميزانية المركزية، وهو ما فتح الباب أمام “المعجزة الاقتصادية” وأعاد الثقة في العملة الوطنية.

هذه التجارب تقدم درساً واضحاً للسودان: لا يكفي إصدار قرارات مركزية إذا لم تُترجم على أرض الواقع بإرادة سياسية موحدة. الجبايات العشوائية واحتكار الذهب يظلان أخطر مهددين لأي إصلاح اقتصادي، والدولار لن يستجيب بقرارات ورقية بل عندما يثق السوق أن البيئة صالحة للنمو والاستثمار.

ومن هنا فإن خريطة الطريق العملية تتطلب ثلاث خطوات أساسية:

أولاً: تفعيل دور وزارة التجارة بحيث تعود لممارسة مهامها التاريخية في تحديد حوجة البلاد من الاستيراد بدقة، وعدم ترك الباب مفتوحاً بلا ضوابط باسم سياسة التحرير الاقتصادي؛ هذا الإجراء يحقق فوائد عديدة، فهو يرشّد استخدام العملة الصعبة فلا تُهدر على سلع كمالية أو غير ضرورية؛ ويسهم في مكافحة الإغراق السلعي الذي يدمر الصناعة المحلية ويؤدي إلى البطالة؛ ويمنع تراكم المخزون غير المنتج الذي يقود إلى الكساد؛ كما يضمن توجيه الموارد المحدودة نحو الأولويات الفعلية كالغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي؛ والأهم أنه يعيد للدولة قدرتها على التخطيط وتقدير الموازنات، فلا تظل أسيرة مزاج السوق الموازي.

ثانياً: تفكيك منظومة الجبايات الولائية والمحلية عبر قانون صارم يمنع أي سلطة فرعية من فرض رسوم دون موافقة اتحادية، وربط كل التحصيل بخزينة واحدة، وهذا سيعيد الثقة للتجار والمستثمرين ويقلل كلفة النقل والتوزيع.

ثالثاً: تحرير منضبط لقطاع الذهب عبر فتح التنافس للقطاع الخاص المنظم بشروط واضحة وإشراف حكومي رقابي، بدلاً من الاحتكار الذي يغذي التهريب؛ على أن تُلزم الشركات بتحويل جزء من حصائلها عبر الجهاز المصرفي الرسمي.

الخلاصة أن القرارات الأخيرة في بورتسودان خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تكبح جماح الدولار ما لم تُدعم بخطوات تنفيذية أكثر عمقاً، في مقدمتها عودة وزارة التجارة إلى دورها المركزي، وإلغاء الجبايات العشوائية، وضبط سياسات الذهب، وربط المركز بالمحليات بسلسلة واحدة منضبطة. عندها فقط يمكن للجنيه أن يستعيد بعضاً من توازنه، وأن يشعر المواطن أن القرارات لم تكن مجرد شعارات سياسية، بل إصلاحات عملية أعادت للسودان مكانته الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى