لا سلام بدون عدالة

د. إيناس محمد أحمد
حينما اندلعت الحرب في بلادنا كانت الصدمة عنيفة لكل الشعب السوداني ، كانت آثارها مروعة وعنيفة ومؤلمة دفع ثمنها الشعب السوداني دماءً طاهرة و أرواحاً غالية و شهداء أبرار من خيرة أبنائه ، ونازحين ولاجئين ، لم تكن فاتورة الحرب الكارثية سهلة أبدا ، نتيجة لذلك كانت ردة فعل المجتمع الدولي بداية عبر مجلس حقوق الإنسان في 11 أكتوبر 2023م بموجب القرار 54/2 الذي تم بموجبه إنشاء بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في السودان، وللتحقيق في كل الانتهاكات الإنسانية التي حدثت والتحقق من الوقائع والجرائم التي وقعت ضد المدنيين.
قرر المجلس لهذة البعثة مدة عام واحد (بصورة مبدئية) ، وتشمل ولاية اللجنة التحقيق فيما حدث وجمع وتحليل الأدلة والوثائق وجمع إفادات الشهود والناجين من جرائم المليشيا ، وتوثيق المعلومات التي يتم جمعها.
بالإضافة إلى التعاون مع الأجهزة العدلية الوطنية للوصول إلى تحقيق العدالة، ويرفع بعد ذلك تقرير شامل للأمم المتحدة يعقبه حوار تفاعلي بين مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان و الاتحاد الأفريقي والمستشار الخاص للأمين العام المعني بمنع الإبادة الجماعية، ثم يرفع التقرير الناتج عن هذا الحوار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة انعقادها ، هكذا هو تسلسل الإجراءات.
يفترض أن هذة البعثة، التي تم تمديد ولايتها لعام ثالث، تركز في عملها علي وضع حقوق الإنسان في المناطق التي تأثرت بالحرب في السودان ، وبالفعل رفعت التقارير كان آخرها في سبتمبر الماضي وأوضحت فيه أن هناك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في السودان ضد مدنيين وأن هناك هجمات عسكرية موجهة ضد الممتلكات الثقافية والتعليمية ودور العبادة والأسواق والمستشفيات وتدمير البنى التحتية الحيوية وكذلك المواقع الأثرية بما يشكل خرقاً للقانون الدولي الانساني.
ذكرت البعثة في آخر تقرير لها أن الفظائع التي حدثت تجاه المدنيين من اضطهاد علي أسس عرقية و اجتماعية وسياسية وجرائم إبادة جماعية وقتل وتعذيب واحتجاز تعسفي واسترقاق واغتصاب وتهجير قسري واستخدام التجويع كوسيلة حرب ضد المدنيين والمعاملة اللاانسانية في معسكرات الاحتجاز التعسفي للمدنيين بما في ذلك الحرمان من الغذاء والرعاية الطبية عمداً، وتهجير السكان الأصليين عمداً جميعها جرائم حرب، تنتظر العدالة.
وراء كل قصة تروى من الناجين من المليشيا وجرائمها هي مأساة إنسانية ممتدة وجراح لم تندمل ، تستوجب تطبيق القانون ومحاكمة المجرمين الإرهابيين المغتصبين القتلة.
لم يقتصر إجرام المليشيا الإرهابية علي كل ما تقدم بل قامت بنهب قوافل المساعدات الإنسانية ومنعت وصولها للمدنيين وقتلت خمسة من موظفي الاغاثة وخمسة عشرة مدنياً في منطقة (الكومة) حين استهدفت قافلة المساعدات الإنسانية المتجهة لمدينة الفاشر في يونيو 2025 م بالقصف ، مما فاقم الوضع الانساني في الفاشر وزاده سوءاً ، والمدينة تعيش حصاراً قاتلاً تفرضه المليشيا المتمردة منذ مايو 2024م.
نحن نتحدث عن جرائم إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها المليشيا المتمردة مما يستوجب المحاسبة والمساءلة القانونية ، وتجريم تلك الانتهاكات وتصنيف المليشيا المجرمة بالارهابية وتقديم قادتها للعدالة الدولية، فأين آليات القانون الدولي الحامية لحقوق الإنسان ؟؟
لماذا لم تصنف المليشيا ك”جماعةارهابية” حتي الآن؟؟
لماذا لا يتحرك المجتمع الدولي داعيا للسلام و (إيقاف الحرب) -بأي طريقة – إلا حينما تتقدم القوات المسلحة منتصرة وحين يعلو صراخ المليشيا الاماراتية المنهزمة؟؟
لن يتحقق سلام ما لم تتحقق عدالة علي أرض الواقع واجتثاث المليشيا الإرهابية نهائياً، وتجريم أفعالها وقادتها، لأن وجودها وعدم محاسبة الجناة يجعل النار تحت الرماد قابلة لاشعال الحرب مرة أخرى في أي وقت ، لذلك لا سلام بدون عدالة، ولا عدالة إلا بتقديم الجناة (قادة المليشيا الإرهابية) إلى المحاكمة هم ومَن دعمهم وعاونهم.



