رأي

من سويسرا إلى روما: واشنطن تختبر مفاتيح السلام في السودان

مهند عوض محمود

في الخامس والعشرين من أغسطس 2025، نشرتُ مقالي بعنوان «واشنطن بين الإغاثة والمساءلة، هل تملك الولايات المتحدة مفاتيح السلام في السودان؟»، طرحت فيه سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على الانتقال من مرحلة المساعدات الإنسانية إلى ممارسة ضغط فعلي يقود إلى سلامٍ مستدام في السودان، أم أنها ستظل حبيسة الخطاب الإنساني الذي يُخفي خلفه حسابات النفوذ والمصالح.
واليوم، وبعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية المكثفة، من القاهرة إلى روما، يبدو أن الإجابة بدأت تتضح تدريجيًا، لكنّ المشهد ما زال أعقد من أن يُختزل في نوايا الرباعية أو وعودها.

التحالف الرباعي الذي يضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر بات اليوم الإطار الأبرز لمحاولات تسوية الحرب في السودان ؛ هذه الصيغة الجديدة حلت محل النسخة القديمة التي كانت تشمل بريطانيا، وجاءت لتؤكد أن مراكز الثقل في الملف السوداني أصبحت عربية –إقليمية أكثر منها غربية الطابع ؛ البيان الرباعي الأخير، الذي صدر في سبتمبر، وضع خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية تمتد لثلاثة أشهر، ثم وقف دائم لإطلاق النار، يتبعه انتقال سياسي خلال تسعة أشهر، مع تعهد باحترام وحدة السودان وسيادته ؛ غير أن هذا الطرح لم يمر دون انقسام داخلي؛ فبينما رأته بعض القوى خطوة واقعية نحو التسوية، وصفه آخرون بأنه تدخل مموَّه يخلو من الضمانات ويُخفي نية لتدويل الأزمة.

في القاهرة، عقد الفريق أول عبد الفتاح البرهان والرئيس عبد الفتاح السيسي لقاءً ناقشا خلاله تطورات الأوضاع في السودان، وأكدا تمسكهما بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ؛وأوضح البيان الرسمي الصادر عن الرئاسة المصرية أن الرئيس السيسي جدّد موقف بلاده الثابت الداعم للسودان، ورفض أي محاولات تهدد تماسكه الوطني أو تسعى لتشكيل كيانات موازية للدولة، مشدداً على أهمية الحفاظ على مؤسساتها الوطنية. كما أكد الجانبان أهمية تفعيل دور الآلية الرباعية باعتبارها الإطار الأقدر على دعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب وإطلاق مسار سياسي سوداني يحافظ على وحدة البلاد واستقرارها. وقد تناول اللقاء أيضاً سبل التنسيق المشترك بين البلدين حيال القضايا الإقليمية وفي مقدمتها ملف مياه النيل، حيث شدد البرهان على وحدة الموقف والمصالح بين السودان ومصر، وضرورة استمرار التشاور المشترك في كل ما يخص أمن وادي النيل والمنطقة.
وفي موازاة ذلك، انعقد في روما اجتماع ثلاثي جمع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية مسعد بولس، والرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، ونائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي. اللقاء هدف إلى تنسيق الجهود لضبط الحدود الغربية ومنع تدفق السلاح واللاجئين ؛ كان ذلك الاجتماع بمثابة إعلان ضمني عن توسيع نطاق الرباعية لتشمل محيط السودان المباشر، بما يكرّس مفهوم “الضمانات الإقليمية” كشرط مسبق لنجاح أي اتفاق.
لكنّ أيًّا من هذه الاجتماعات لا يمكن أن يكتسب معنى حقيقيًا ما دامت مدينة الفاشر تعاني تحت الحصار ؛ فالفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة تعكس صدقية كل المبادرات. فالمياه والكهرباء مقطوعة، والإمدادات الإنسانية نادرة، والقصف الجوي والمدفعي يطال المدنيين بلا تمييز ؛ ومن ثم فإنّ رفع الحصار عن الفاشر يجب أن يكون الاختبار الأول لأي نوايا دولية. كل اتفاق لا يُترجم إلى إنقاذ حقيقي على الأرض سيبقى حبرًا على ورق، وخطوة أخرى في سجل الوعود المؤجلة.

واشنطن من جانبها تبدو كمن يحاول موازنة ميزانٍ صعب: فهي تسعى إلى تقديم نفسها كقوة سلام وإنقاذ، وفي الوقت ذاته تريد الحفاظ على أدوات الضغط والمساءلة ضد الأطراف المتهمة بانتهاكات جسيمة. منذ تعيين مسعد بولس مبعوثًا خاصًا، تحركت السياسة الأميركية من موقع “المراقب المتردد” إلى “الوسيط الفاعل”، مستندة إلى تجربته الناجحة في الكونغو ورواندا. ومع ذلك، ما تزال واشنطن تراوح بين هدفين متناقضين: الحد من الكارثة الإنسانية، وفرض محاسبة سياسية وقانونية على قادة المليشيا ومن يدعمهم. هذه الازدواجية يظل تأثيرها محدودًا ما لم تُترجم أقوالها إلى أفعال ميدانية واضحة.

مصر في المقابل تبدو الأكثر تأهيلاً للعب دور الضامن الفعلي، بحكم الجغرافيا والتاريخ والعلاقات المتشابكة. فالقاهرة تملك القدرة على ضبط الحدود الشمالية والغربية، وعلى فتح ممرات إنسانية آمنة نحو دارفور، كما أن ثقتها لدى القيادة السودانية تجعلها الطرف الأكثر قبولًا في إدارة أي ترتيبات أمنية. وإذا أُحسن توظيف هذا الدور، يمكن لمصر أن تكون صمام الأمان الذي يمنع تفكك السودان، وأن تقدم نموذجًا للتكامل العربي في دعم استقراره بدلًا من تعدد الرعاة وتضارب المصالح.

انطلاقًا من هذه المعطيات، فإنّ قبول السودان بأي مبادرة رباعية يجب أن يكون مشروطًا ومبنيًا على أسس واضحة: أولها رفع الحصار عن الفاشر فورًا، وثانيها التدرج في وقف إطلاق النار وفق مراحل محددة تبدأ بهدنة إنسانية وتنتهي بإعادة هيكلة القوات، وثالثها إنشاء غرفة مراقبة مشتركة في القاهرة تضم ممثلين عن السودان والرباعية والإيغاد، ورابعها إنشاء صندوق تعويضات وإعمار يُدار بشفافية ويرتبط صرفه بمدى الالتزام بالسلام، وخامسها تشكيل حكومة مهام انتقالية لا تتجاوز تسعة أشهر تركز على الخدمات والإغاثة والإعداد للانتخابات، مع إطلاق مسار عدالة انتقالية مستقل يمنع الإفلات من العقاب.

هذه الشروط ليست مطالب سياسية فحسب، بل هي الضمان الوحيد لئلا يتحول السودان إلى ملف إنساني دائم تدار شؤونه من الخارج. فقبول الخرطوم بالمبادرة دون اشتراطات واضحة سيجعلها متلقّية لما يُقرره الآخرون، بينما فرض إرادتها سيُعيدها إلى موقع الدولة الفاعلة التي تمسك بخيوط مصيرها.

وعند العودة إلى السؤال الذي طرحته في مقالي السابق، هل تملك واشنطن مفاتيح السلام في السودان؟ يمكن القول اليوم إنّ الإجابة ليست نعم ولا. فالولايات المتحدة تمتلك الأدوات السياسية والمالية الأقوى، لكنها لا تملك وحدها مفاتيح الأبواب المقفلة؛ تلك المفاتيح موزعة بين القاهرة والرياض وإنجمينا، وبين إرادة السودانيين أنفسهم. واشنطن تستطيع أن تفتح الباب إذا شاءت، لكنها لن تستطيع العبور إلا إذا تبعها الآخرون، وأولهم السودان ذاته.

إنّ اللحظة الراهنة تتيح فرصة نادرة لإعادة صياغة المعادلة بأكملها: سلام يقوم على الميدان لا على البيانات، وضمانات عربية لا وصاية دولية، وعدالة تُبنى على الوقائع لا على الخطابات. فإذا أحسن السودان استثمار هذه اللحظة، يمكن أن تتحول الرباعية من مبادرة مفروضة إلى شراكة متكافئة، وأن يتحول الإغاثي إلى سياسي، والمساءلة إلى ضمانٍ للسلام لا عقوبةٍ للسلام ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى