ضرورة التغيير وهيكلية المركزي

دكتور حسن عيسى الطالب
مشكلة بنك السودان المركزي المزمنة التي لازمته منذ تأسيسه عام 1960م ليست في المحافظ، وتغيير الشخوص النافذة بل في الطريقة التي يتخذ بها قراراته المصيرية في السياسات النقدية والمالية.
وقد تأكد خطل هذه الممارسات في سرعة وتيرة التغيير في قمة الهرم . فقبل المحافظ السيد برعي، كان هناك حسين جنقول، وقبلهما كان المرحوم عبد الرحمن حسن، ولا يزال الجنيه يتهاوى ويترنح أمام الدولار والعملات الوازنة، وليست هناك من رؤية معلومة، ولا خارطة طريق، ولا يحزنون. فالتغيير يحدث دوما في الوجوه، لا غير.
المشكلة في البنك المركزي ليست وظيفية، بل هيكلية مزمنة. وتتحدد في طريقة التوظيف واختيار وتعيين المحافظ. فلا يمكن تعيين المحافظ من منظور ساذج، وباعتبار أنه مجرد موظف، يتمتع بخبرة مصرفية تقليدية وتراكمية طويلة لإدارة بنك مركزي في القرن الحادي والعشرين. يتعين أن يُنظر في الطريقة التي جرى بها تأسيس البنك المركزي لأخذ العبرة، إذ تم استقدام ثلاثة خبراء من بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 1957م فساهموا في وضع قانون البنك.
فأين نحن من هذا اليوم، وما هو مستوى التعاون الفني في مجال استقدام الخبرات العالمية، ومن هؤلاء البروفيسور جيفري ساكس؟
فالبنوك المركزية عالميا يتم تعيين محافظيها عبر التنافس، واختيار أعلى وأفضل الكفاءات، ويتمتعون بالاستقلالية التامة عن الجهاز التنفيذي، وهذا معمول به في انجلترا وكندا والهند ونيجيريا وجنوب أفريقيا. فما الذي يمنع منه أهل السودان؟
محافظ البنك المركزي ليس موظفا عاديا تحكمه قوانين الخدمة المدنية الديوانية، بل هو حاكم مستقل في أداء مهام ولايته الوظيفية لإدارة النقد والتمويل، وتأثيرات ذلك على النمو الاقتصادي للدولة، ومستويات ومعدلات العطالة والتوظيف والاستثمار والتضخم.
ويعمل محافظو البنوك المركزية ضمن طواقم عمل وفرق من الخبراء والباحثين والمختصين في كافة المجالات ذات الإهتمام.
من الواضح أن البنك المركزي يفتقر للمواكبة والمتابعة، ويظهر ذلك جليا في الفشل المستدام في إيجاد حلول خارج الصندوق البيروقراطي المكرور.
لذا يتعين أن يكون هناك جسم استشاري من الخبراء والمختصين لتقديم الرؤى والاطروحات التطويرية، ومواكبة المجريات والتغيرات في النظام المالي والنقدي العالمي المتسارع التطور. وخاصة في مجال العملات الرقمية، ونسب الإحتياطي الذهبي والعملات الصعبة، ونسب الكتلة النقدية، وإبرام الاتفاقيات بين العملات الوطنية للدول ذات التأثير التجاري والمالي والاستثماري على السودان.
هذا لا يحدث في بنك السودان المركزي، ولا يهتم به أحد، نظرا لأن العقلية الوظيفية الديوانية التي ظل يدار بها البنك منذ القرن الماضي هي التي تعتمد لدى البنك وتسير قراراته. والسؤال هو ما الذي يمنع من توظيف خبراء وطنيين ودوليين للاستنارة بآرائهم وتجاربهم؟
ما دام الحال هكذا فلن يحدث أي تغيير واقعي، ما لم تجرِ إعادة هيكلة للبنك المركزي، وبقصد أن تكون هناك رؤية علمية قاصدة، تستند على التخصصية العملياتية، والمواكبة العلمية، والمتابعة، ثم تفصّل في خارطة طريق، وخطط، وبرامج. ويتم التداول بشأنها على أوسع نطاق بين الخبراء والمختصين، ثم يكون هناك جسم موثوق للتقييم والتقويم والمحاسبة.
لا يمكن إجراء التجربة عشرات المرات وبنفس المدخلات ويتوقع الحصول على نتائج مختلفة عما سبق. هذه بلادة مهنية، وغباء إداري، وضياع للوقت وهدر للمال والجهد.
يتعين استبدال الهيكلية البنيوية وتغيير المدخلات الحالية للحصول على نتائج مغايرة.
لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.



