من المسافة صفر: عود على بدء

د. سلوى حسن صديق
كنا نظن، وبعض الظن إثم، أننا قد ودعنا تلك الأيام الحزينة ولو لبعض حين ، أيام كنا نزف شهداء قرية من تلك القرى بقلوب تنزف دماً وقبل أن يجف مداد ما نكتبه عنهم يباغتنا الأوغاد بجريمة أخرى تهز ضمير الإنسانية وتبكي الصخر ..
أيام كانوا يبيدون الآباء والأمهات والشباب ثم يصورون الحرائر والسبايا في نشوة مريضة ..
كم كانت فرحتنا ببسالة أبنائنا وجيشنا التي إقتلعت جذور الأوغاد قتلت قياداتهم ثم أبادت مرتزقتهم من كل صوب حتى نكست راياتهم .
أحزاننا تجددت بعودة فلولهم وبقاياهم ، عادوا وعادت معهم أفعالهم البشعة كأبشع ما تكون المشاهد ، تنقلها الأسافير وهي حاسرة الطرف كسيرة باكية..من
فاشر السلطان و بارا قرية القوزة التي أبكت مجزرتها القلوب.
يا تري أين ضمير الإنسانية ؟
أين العرب أين الأفارقة ؟ أين الجيران ؟ أين من كنا نسميهم أهلاً وعشيرة و كنا نظنهم أقرب الينا من حبل الوريد !!
غابت عنا منظمات كانت تملأ سماوتنا بالنفخة الهباء والعطاء المجذوذ ، كانت تتشدق بالحقوق التي لم ترعاها، وتصدع رؤوسنا بحكاوي وأوراق وبنود فارغة المحتوي عن الدعم والمساندة ، اليوم لا نسمع لهم حسا ولا ركزا .
لقد تكشفت جميعها وأثبتت حرب السودان أننا بلا وجيع.
الخواجة المتغطرس لايهمه إن متنا جميعاً أو إن أُبدنا عن بكرة أبينا، وقد فعلها ولم يطرف له جفن ، ما يهمه فقط أن ينفذ ما خطط له ، لا يكترث لأحاديث الرأي العام أو رأي الأغلبية ولا الشعارات الكذوب التي يخدع شعوبه بها .
الناس عندهم ليسوا سواء .
الفكرة أن يكونوا هم أسيادا والبقية عبيدا يأتمرون بأمرهم و ينتهون بنهيهم.
حينما قاومتهم الشعوب لدى استعمارهم الماضي خرجوا وتركوا الوكلاء والعملاء فخدموهم كأحسن ما يفعل خادم لسيده، ثم عادوا مخادعين ومخاتلين عبر بواباتهم المعروفة ومنظماتهم البائرة ومستشاريهم المأجورين،
ثم أخرى قاومتهم الشعوب الحرة والقيادات الأمينة الشجاعة .
ثم كانت النكسة فعادوا أكثر شراسة وأكثر تعطشا للدماء، كيف لا وقد وجدوا من يفعل ذلك باسمهم.
هذه المرة إنكشفوا و بان عوارهم للشعوب الطيبة كأوضح ما يكون العوار .
عرف كل الناس أجنداتهم حتى بعض شعوبهم إستيقظ ضميرها فالظلم تأباه النفس السوية وتمقته الأديان والقيم.
صدقوني يا هؤلاء قد شيدتم للظلم معبدا ..لقد رسبتم في امتحان الإنسانية والأخلاق
أمام شعوبكم وليس أمامنا نحن الشعوب المنكوبة فنحن متأكدين أننا خارج دائرة نظركم، موتنا يسليكم ويطربكم خبره.
مع ذلك لا ننتظر منكم عدالة ولا رحمة فالقاتل أقسى قلبا من أن ينظر خلفه ليتفرس وجه ضحيته.
ننتظر عدالة السماء ومنها نستمد صمودنا وقوتنا وبها نفتح خزائن كسرى وقيصر . وإن غدا لناظره قريب.



