الفاشر وبارا.. جريمة مستمرة

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
في القانون، تُعرَّف الجريمة المستمرة بأنها تلك التي لا تنتهي بمجرد ارتكاب الفعل المجرَّم، بل تظل قائمة ومتجددة طالما استمر الوضع غير المشروع بإرادة الجاني. ويتجلى هذا المفهوم اليوم بوضوح في ما تشهده مدينتا الفاشر وبارا من أفعالٍ متواصلة ترتكبها مليشيا الدعم السريع المتمردة، تُصنَّف قانونًا كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير الدولية.
ما وقع من قتل ونهب واغتصاب وتشريد ليس أحداثًا عابرة، بل سلوك منظم وممنهج يشكّل جريمة مستمرة، تتكرر مظاهرها يومًا بعد يوم. فالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف تعتبر الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، جرائم لا تسقط بالتقادم، وتشمل القتل الجماعي، التعذيب، الحرمان من المساعدات، وتدمير الأعيان المدنية عمداً.
وفي الفاشر، وثّقت تقارير ميدانية قيام المليشيا بجمع جثث المدنيين الذين أبادتهم بعد دخول المدينة، ودفن بعضها في مقابر جماعية، وحرق بعضها الآخر لإخفاء الأدلة. كما مارست المساومة على حياة المختطفين، مطالبةً ذويهم بدفع فدية مالية كبيرة لإطلاق سراحهم أحياء. أما من تبقوا في معسكرات النزوح، فحُرموا من العودة إلى منازلهم، ويعيشون في ظروف إنسانية وصحية بالغة السوء، مع استمرار الانتهاكات اليومية بحقهم.
وتتشابه الانتهاكات في بارا من حيث النمط والنتائج: حصارٌ للمناطق السكنية، ونهبٌ للممتلكات، ومنعٌ لوصول المساعدات الإنسانية، وتشريدٌ لآلاف الأسر، في تكرارٍ واضح لذات الجريمة المستمرة التي تؤكد مسؤولية المليشيا عنها ما دامت الأفعال قائمة ولم تُزل آثارها.
إن التعامل مع هذه الجرائم يتطلب ترتيبًا واقعيًا للأولويات؛ فالحسم العسكري لاستعادة الأمن ووقف الانتهاكات يمثل الخطوة الأولى والضرورية قبل أي مسار قضائي أو حقوقي. إذ لا يمكن مباشرة التحقيق أو التوثيق أو حماية الأدلة في بيئة يهيمن عليها الخوف والسلاح. بعد ذلك، تبدأ المرحلة العدلية المنظمة، من توثيقٍ دقيقٍ للوقائع، وحمايةٍ للشهود، وتأمينٍ للمقابر والأدلة المادية، وصولًا إلى إعداد ملفات قانونية يمكن تقديمها للعدالة الوطنية أو الدولية.
إن ما يجري في الفاشر وبارا ليس مجرد تجاوزاتٍ ميدانية، بل جريمة مستمرة تستوجب ردعًا عاجلًا ومحاسبةً لاحقة. فالأمن هو المدخل للعدالة، والعدالة هي الضمانة لاستقرارٍ لا تُبنى أركانه على الدم والدمار، بل على سيادة القانون وإنصاف الضحايا.



