الكارثة الإنسانية في السودان عنوان للتدخل الدولي وفرض التسويات وتقسيم السودان

محمود حسين سري
لقد افرزت الحرب في السودان كارثة أنسانية لا يمكن لأي عاقل أن يكذبها أو يتجاهلها أو يقلل من حجم هولها وكارثيتها.
وبعيداُ عن مَن تسبب في هذه الكارثة فإن “المجتمع الدولي” يوجه اللوم للجيش السودانى وقوات الدعم السريع معاً، ويساوي بينهما في التسبب في هذه الكارثة، بالرغم من كل الفظائع والممارسات الارهابية والوحشية والجرائم البشعة التي قامت بها قوات الدعم السريع المتمردة، إلا أن المجتمع الدولي يقول إن القوات المسلحة السودانية تبقى مسؤولة مبدئيا ودستوريا وأدبيا وإخلاقيا عن حماية المواطنين حسب القوانين والدستور والعرف.
وبالرغم من حرص واهتمام ورغبة وتمسك القوات المسلحة السودانية بعدم استهداف المناطق المدنية التى سيطر عليها الدعم السريع وتحصن بها واستخدم المواطنين الأبرياء العزل دروعاً بشرية، واستولت قواته على كل المقرات المدنية مثل المستشفيات والمدارس والمباني الحكومية والمساجد والكنائس وحولتها إلى مقرات عسكرية، إلا أنه لا يمكن إنكار حدوث انتهاكات وإصابات وقتل أبرياء برغم محاولات الجيش السوداني المضنية في تجنب هذه الحوادث، وهذه الحرب التي تحولت إلى حرب بين المدن وضد المدنيين.
إن التركة الثقيلة لهذه الحرب التى اشتعلت ومازالت هي التكلفة الانسانية والأزمة الإنسانية والكارثة الإنسانية.
فبعد سنتين ونصف من الحرب لا يمكن لأحد أن يكذب أن الحرب تسببت في نزوح تسعة ملايين شخص داخليًا، مما يجعل السودان أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم. كما فرّ أكثر من ثلاثة ملايين شخص إلى الدول المجاورة وانتشرت تجارة الهجرة غير الشرعية. وتقدر التقارير الدولية أن حوالي ثلثي سكان السودان يحتاجون بشدة إلى مساعدات إنسانية، وتحول 71% من سكان السودان إلى فقراء .
وتقول التقارير الدولية إن السودان يحتاج فيه أكثر من 16 مليون طفل إلى المساعدات الانسانية العاجلة. وقد وصل انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى مستويات تاريخية، مع تأكيد حالات المجاعة في أنحاء مختلفة من البلاد خصوصا في المناطق التى تسيطر عليها قوات الدعم السريع وتحاصر فيها مدناً فيها مئات الآلاف من المواطنين الأبرياء مما يعرض الملايين لخطر الموت جوعًا. وفي الوقت نفسه، تُفاقم تفشي الأمراض إلى جانب تفاقم الصدمات المناخية.
وتتوقع المراصد الدولية مقتل المئات من الآلاف في هذه الحرب ووجود مئات الآلاف من الجرحى والذين فقدوا أعضاءهم بسبب هذه الحرب وانتشار الالغام بالاضافة إلى حالات الاختفاء القسرى للآلاف من المواطنين. وحالات التعذيب الممنهج على أساس عرقي.
وتعد النساء والفتيات والأطفال من أكثر المتضررين من هذه الحرب. حيث أفرزت هذه الحرب حرباً موازية عنوانها ارتكاب الجرائم الجنسية والاغتصابات واستخدام الجنود الأطفال والعنف الجنسي. ومازالت المنظمات الإقليمية والدولية تحقق في هذا الملف الخطير والذى إذا نشرت نتائجه ستكون انعكاساته خطيرة وجسيمة وهائلة على السودان.
وتبين التقارير الدولية أن أكثر من 90% من أطفال السودان في سن الدراسة، والبالغ عددهم 19 مليون طفل، لا يحصلون على تعليم حيث دُمرت العديد من المدارس أو حُوِّلت إلى قواعد عسكرية وملاجئ للنازحين. كما تشير التقارير أن أكثر من 80% من المستشفيات في مناطق الصراع أصبحت غير قادرة على العمل بسبب الهجمات والنهب ونقص الموظفين.
ومما سبق نخلص إلى أن هناك تكلفة إنسانية باهظة للحرب مما يفرض سؤالا مهما وهو مـَن سيدفع تكلفة هذه الفاتورة الإنسانية؟
هل هى قوات الدعم السريع المتمردة؟ هل سيقوم المجتمع الدولى بمعاقبة القوات المسلحة ورموزها وقاداتها؟ هل سيتم توزيع التكلفة الانسانية بالتساوي بين الجيش وقوات الدعم السريع؟ هل ستستخدم الكارثة الإنسانية كورقة ضغط على الأطراف لتقديم التنازلات والمساومات لفرض الهدنة واتفاق سلام بين الجيش والدعم السريع؟
أم أن ورقة الكارثة الانسانية هدفها أعظم وأضخم و أكبر وهو قيادة السودان إلى سيناريو التقسيم والتفريق والتشطير ؟؟
في كل الأحوال المجتمع الدولي متخاذل ومتقاعس عن القيام بدوره الإنساني، وعاجز عن فرض قرارات الأمم المتحدة واتفاق جدة، ويتعامل مع ملف السودان بازدواجية كبيرة في المعايير مقارنة بملف أوكرانيا و غزة.
فنرى البيانات التى تصدر كل فترة وهى تساوي بين الدعم السريع والجيش في انتهاكات حقوق الانسان والتسبب في الكارثة الإنسانية والعمل باستمرار في المقاربة الخاطئة بمساواة جيش الدولة مع قوات الدعم السريع المتمردة و هي مجموعة شبه عسكرية متمردة، فشتان بين الأثنين فالقوات المسلحة السودانية مؤسسة دستورية للدولة تقاتل مجموعة شبه عسكرية تمردت على الدولة والقانون والمؤسسات.
ويظهر تقاعس وتخاذل المجتمع الدولى في فشله في الالتزام بتوفير التعهدات المالية لتقديم المساعدات الإنسانية التي وعد بها في مؤتمر باريس ولندن. فبينما تتحدث الولايات المتحدة الأمريكية عن توفير 255 مليون دولار والاتحاد الاوروبي 213 مليون دولار والبنك الدولي 85 مليون دولار والمملكة المتحدة 100 مليون دولار بالاضافة إلى دول ومنظمات أخرى، إلا أن في الحقيقة وعلى الأرض فإن مجموع ما تم تقديمه لا يتعدى اكثر من 25% من مجموع ما تعهدت به الدول المتحججة بضمان سلامة وأمن العاملين في المجال الإنساني ومقارهم وأصولهم في السودان ليتمكنوا من تقديم المساعدة الطارئة للمتضررين.
ويستمر المجتمع الدولي في الهجوم على حكومة السودان في المنابر الدولية بأنها تفرض قيود سفر على المنظمات الدولية وترفض منح تصاريح السفر للانتقال خارج بورتسودان وبين الولايات. كما تتحجج الدول المانحة والمنظمات الدولية بطلب توفير ممرات آمنة وفورية وبدون قيود للعاملين في المجال الإنساني وضمانات للوصول والتنقل براً وجواً وتسريع إجراءات الحصول على منح التأشيرات للسماح بتوسيع نطاق العمليات الانسانية والضغط على الحكومة لتخفيف القيود الجمركية لتسريع استيراد الإمدادات التشغيلية، واصدار البيانات الدولية التى يطالبوا فيها بضمان الحركة الآمنة للعاملين في المجال الإنساني والإمدادات دون فرض حراسات مسلحة، مما يعرض أمنهم واستقلاليتهم وحيادهم للخطر.
وتعد هذه الشروط لدفع التعهدات شروطاً تعجيزية ومحاولة للي ذراع الحكومة واستخدام كرت التدخل الإنساني والضغط وإكراهها على القبول بالهدنة ووقف إطلاق النار بحجة إدخال المساعدات الانسانية ولكن في الحقيقة هو منح الفرصة للمتمردين وتمكينهم من استخدام الممرات الانسانية في التزويد بالسلاح والمعدات اللوجستية للهجوم على القوات المسلحة السودانية.
ويستمر المجتمع الدولي في إصدار البيانات وتنظيم الاجتماعات الدولية الواحد تلو الآخر وطباعة التقارير التى تشير باستمرار إلى “عرقلة الحكومة السودانية المتعمدة للمساعدات” والهدف من كل هذه الأعمال هو توجيه تهمة إلى الحكومة باستخدام التجويع كسلاح لمنع وصول المساعدات الإنسانية.
كما أن تواتر الأنباء عن نهب الإمدادات وبيعها في الأسواق وطريقة تناول خبر طرد الحكومة السودانية في أواخر أكتوبر 2025 لموظفين من برنامج الأغذية العالمي بشكل يثير الجدل، بالرغم من توضيح السلطات السودانية سبب الطرد بوضوح، وهو أن موظفي برنامج الأغذية العالمي ارتكبوا مخالفات صريحة شملت “الاحتفاء بسقوط الفاشر” والتواصل مع قوات الدعم السريع المتمردة ، بالإضافة إلى عدم الالتزام بتوزيع المساعدات بعدالة إلا أن المجتمع الدولي يستخدم عملية الطرد لتصوير أن السودان غير متعاون مع المجتمع الدولي ولا يكترث إلى سلامة مواطنيه وأنه لا يبالي إلى الكارثة الانسانية.
في ماسبق ومن خلال متابعة البيانات والتقارير الدولية الصادرة و الضغط الدبلوماسي والاجتماعات التي تنظم و يتصدر فيها المشهد الإنساني في السودان، وهو وضع متدهور لا يمكن إنكاره، يتحول هدف المجتمع الدولي من تقديم المساعدة الإنسانية والتي تشمل تقديم الإغاثة، كالغذاء والدواء والمأوى، بطريقة محايدة وغير منحازة ومستقلة، بموافقة الدولة المضيفة – السودان إلى فرض التدخل الإنساني و هو السعي دبلوماسياً ودولياً لخلق رأي عام دولي وقرارات دولية تمهد إلى استخدام القوة العسكرية من قِبل مجموعة دول لمعالجة انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان !!
ومن هنا على الحكومة في السودان والقوات المسلحة السودانية والدول الصديقة للسودان الوعى والانتباه.
إن “المجتمع الدولي” والغرب خاصة يحاول تدويل القضية الإنسانية في السودان وتحويلها إلى “أيديولوجية شرعية” للدول القوية، وخاصة الولايات المتحدة، لفرض نفوذها وملاحقة أهدافها الجيوسياسية الخاصة.
إن الدوافع المختلطة لمختلف الأطراف الدولية للتدخل الإنساني في السودان، رغم وجاهتها، هي دعوات مشبوهة ليست جميعها دوافع إنسانية بل هناك مصالح خاصة وذاتية.
إن الإصرار على التدخل الإنساني دون إيجاد حل سلمي للصراع في السودان الهدف منه وجود مصلحة استراتيجية تنفى الرغبة الحقيقية في وقف الفظائع.
المجتمع الدولي لا يريد أن يتخلص من المعايير المزدوجة، والتي تبدو فادحة بشكل خاص في حالة السودان. فعندما يتعلق الأمر بالسودان، تنادي بعض البلدان بصوت عال بوقف إطلاق النار، وتطالب الجانبين بوقف العنف وحماية المدنيين، بينما في حالة غزة وأوكرانيا، تعطي هذه البلدان ذاتها “تفويضًا مطلقًا” لإسرائيل وأوكرانيا حتى تواصل التصعيد، متجاهلة الانتهاكات الصارخة للقانون الإنساني الدولي من قبل الجيش الإسرائيلي والاوكراني. وعلى نحو مماثل، تعطي هذه البلدان الأولوية لحق إسرائيل وأوكرانيا في الدفاع عن النفس وحماية مواطنيها، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسودان، فإنها تنكر بطريقة أو بأخرى نفس الحق لحكومتها وتتهم الجيش السوداني بكل الشرور وأنه يمثل تيار سياسي معين و قبائل من منطقة جغرافية محددة من السودان.
إن المشكلة الرئيسية في المجتمع الدولي هي أنه يستند إلى فهم خاطئ فيما يتصل بمن يتحمل المسؤولية عن حماية المدنيين في السودان وضمان السيطرة على حدود البلاد وأمنها. وهناك أيضاً تصور خاطئ فيما يتصل بمن يحق له اتخاذ القرارات بشأن دعوة القوات الأجنبية إلى السودان، وفي نهاية المطاف فيما يتصل بمن ينبغي لمسؤولي الأمم المتحدة أن يتفاعلوا معه من أجل معالجة المشاكل القائمة وترتيب المساعدات.
إن الدوافع الحقيقية من وراء الدعوة للتدخل الإنساني، بالرغم من الأوضاع الانسانية السيئة في السودان، هو الزج بآليات خارجية لضمان المساءلة عن أعمال العنف تقود لنشر قوات دولية في البلاد.
إن الحكومة السودانية مطلوب منها امتلاك برنامج عمل واضح لإدارة الأزمة الإنسانية في السودان تشارك وتتعاون وتنسق فيه كل الجهات المعنية وأن تكون احصائياتها وطلباتها واضحة في هذا المجال وعدم التردد والدفاع عن موقفها على استحياء وخجل. لقد فشلت الحكومة السودانية حتى الآن في إدارة هذا الملف بشكل يحقق للسودان سيادته ويشرح للمجتمع الدولي طبيعة ما يدور في السودان.
إن تعامل المؤسسات السودانية في جزر منعزلة يحتاج إلى تنسيق الجهود بين الوزارات المعنية والمفوضيات والولايات ذات الصلة. والحكومة السودانية مطالبة بتعظيم خطابها الإعلامي حول الجرائم التى ترتكبها قوات الدعم السريع المجرمة لممارسة الضغط الدولي عليه وتصنيفه منظمة إرهابية لتنتفي الطلبات والدعوات بالجلوس مع هذه القوات المتمردة لتحقيق سلام وإعادتها لتقاسم الثروة والسلطة.
و من المهم جداً أن تحمي الحكومة السودانية ومؤسساتها المبادرات الطوعية الوطنية من الاستغلال الدولي وحمى التمويلات الخارجية المستعرة التي تحاول استخدام غرف الطوارئ و لجان المقاومة والمبادرات الشبابية في تسييس العمل الإنساني لتحول هذه المبادرات من أدوات لتقديم المساعدة للمجتمع السوداني إلى مؤسسات سياسية تصدر البيانات والتقارير الدولية التي تستخدمها المنظمات الدولية للتدخل الإنساني في البلاد.
إن الروايات التي تروج لها الدول الغربية حول “الوضع الإنساني المزري” الهدف منها هو إرسال الأسلحة عبر الحدود لإطعام المتمردين عبر الممرات الانسانية المزعومة ويظهر ذلك واضحا في رفض المجتمع الدولي لاستخدام المعابر الحدودية العديدة التي توفرها الحكومة لتقديم المساعدات وإصراراهم على ممرات تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
إن حمى التدخل الإنساني وممارسة الضغط المتزايد من خلال ملف المساعدات الانسانية هدفها هو عدم الرغبة الصادقة في مساعدة السودانيين على التغلب على الصعوبات بل خلق المزيد من الفوضى بشكل مصطنع و“الاصطياد في المياه العكرة“.



