
متابعات – طلال مدثر
فتحت النيابة العامة في مدينة فيلدكيرش الألمانية تحقيقات جنائية بشأن تورط محتمل لشركة لوجستيات ألمانية في شحن أسلحة بشكل غير قانوني إلى السودان تنتهك الحظر الدولي المفروض على البلاد وأكدت النيابة لصحيفة “تاز” الألمانية أنها “تتحقق من احتمال وجود جريمة” تتعلق بقانون مراقبة الأسلحة الحربية.
وتركز التحقيقات التي لا تزال في “مرحلة مبكرة” حسب وصف النيابة على شركة “شيب رايد” للشحن والخدمات اللوجستية (المعروفة سابقًا باسم BSL) والوسيط الألماني بيتر إس وأطراف أخرى كما تحقق الجمارك الألمانية بشكل منفصل في القضية.
غير أن التحقيق يواجه تساؤلات حول الجدية والسرعة فحتى الآن لم يتم تنفيذ أي عملية تفتيش لمقر شركة “شيب رايد” كما لم يتم استجواب المدير المسؤول عن الصفقة في الشركة آنذاك كريستيان ك، سواء كشاهد أو كمشتبه به ويُعتبر هذا المدير شاهداً محورياً حيث تشير وثائق إلى أنه كان على علم بالوجهة الحقيقية للشحنة، وفقاً للتحقيق الصحفي.
من جهتها قالت شركة “شيب رايد” إنها “تعمل مع السلطات” وتقدم المستندات المطلوبة ولم يتم تقديم أي اتهامات رسمية لأي شخص حتى الآن.
تأتي هذه التحقيقات في أعقاب تحقيق استقصائي مطول نشرته صحيفة “تاز” (die tageszeitung) الألمانية اليومية وكشف التحقيق الذي استند إلى مراسلات داخلية ووثائق شحن وحسابات بنكية عن تفاصيل صفقة أسلحة غير قانونية تعود إلى أواخر 2022.
و”تاز” صحيفة يومية مرموقة في ألمانيا معروفة بتوجهها اليساري المستقل وبتقاريرها الاستقصائية العميقة في القضايا الاجتماعية والسياسية.
وتعود تفاصيل الصفقة إلى خريف عام 2022، حيث قامت شبكة تضم وسيطاً ألمانياً وتجار أسلحة إماراتيين، وفقاً لوثائق التحقيق بالتخطيط لشحن مدافع هاوتزر عيار 122 ملم ومركبات قتالية من كرواتيا وتم تحميل الشحنة على متن السفينة “أفرودايت” في منتصف نوفمبر 2022م وكانت الوجهة الرسمية المُعلَنة في وثائق الشحن هي جيبوتي لكن المسار الحقيقي كما تكشف المراسلات الداخلية التي حصلت عليها الصحيفة كان موجهاً إلى ميناء بورتسودان السوداني
وكان المستلم المفترض هو ميليشيا قوات الدعم السريع (RSF) السودانية، التي يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي” والمتورطة في الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، والمتهمة من قبل الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية بارتكاب “مذابح” و”إبادة جماعية” في إقليم دارفور.
الشحنة انتهكت حظر الأسلحة الأوروبي والأممي المفروض على السودان منذ عقود بسبب النزاع في دارفور.
ويمثل التفاوت الصارخ بين دقة وكشف التحقيق الصحفي من جهة وتباطؤ الإجراءات الرسمية من جهة أخرى، نموذجاً حياً للانتقادات التي يوجهها خبراء مراقبة الأسلحة منذ فترة طويلة فهم يحذرون من أن “ثقافة الإفلات من العقاب” في قطاع التصدير الدفاعي الألماني تسمح بتكرار مثل هذه الحوادث حيث تتسرب الأسلحة عبر ثغرات في الرقابة والشبكات الدولية المعقدة لتصل إلى مناطق النزاع.
وهكذا بينما تستمر عجلة الحرب والفظائع في السودان تتحول قضية شحنة “الأفرودايت” من مجرد حادثة منفردة إلى اختبار حاسم.. إنها تختبر قدرة السلطات الألمانية على تطبيق قوانينها بشكل جاد، وملاحقة الشبكات الدولية لتجارة الأسلحة، والوفاء بالالتزامات الأخلاقية والقانونية المتمثلة في عدم إضافة الوقود إلى نيران الصراعات التي تلتهم المدنيين وحتى هذه اللحظة يبقى هذا الاختبار بلا نتيجة حاسمة، فيما تترقب الأوساط الحقوقية والدولية الخطوات التالية للنيابة العامة في فيلدكيرش.



