رأي

هوامش على دفتر الإستقلال

أحمد التجاني الشايب

سأغني لك ياوطني

كما غني الخليل

مثلما غنت مهيرة

تلهب الفرسان

جيلاً بعد جيل

ثمة شيء كالمِر ( بكسر الميم وتسكين الراء) يزدرد به حلق وجوف كل مواطن سوداني ، ابن بلد وأصيل (والمِر لعناية من لا يعرفه هو سائل غليظ أصفر اللون حنظل الطعم ، يستفرغه مِن جوفه مَن أصيب بحمى الملاريا أو الضنك) ، ومرد ذلك هو أنه ومن بعد مرور سبعين سنة من رفع راية استقلالنا وخروج جنود الإحتلال عن ديارنا، وهتاف الجماهير الغفيرة حينها : حررت الناس يا اسماعيل ، الكانو عبيد يا اسماعيل ، ها نحن – معشر أهل السودان – نواجه البدء في إنفاذ خطة عودة الإحتلال والعبودية  مرة أخري بأدوات وأشكال وأساليب مستحدثة، ونعيش ذات اللحظة التأريخية بكل توتراتها النفسية التي نصح فيها أمير الشرق القائد الفذ عثمان دقنه، رئيس البلاد حينها السيد الخليفة عبد الله ود تورشين – رحمهما الله – بأن نباغت الغزاة بهجوم ليلي ولا ننتظر الصباح ليتمكنوا من رؤيتنا فيصوبوا  أسلحتهم ومدافعهم الفتاكة علينا. ليت خليفة المهدي استجاب لتلك الخطة العسكرية التي تقدم بها أحد أميز قادته العسكريين ، لكان تأريخنا وواقعنا الماثل مغايراً لما هو عليه الحال.

 

ومما يجدر ذكره ، أن إعادة قراءة التاريخ ضرورة حياتية وفريضة وطنية وشرعية لاستلهام التجارب والعبر واكتساب الوعي التأريخي الذي يعد أحد أهم مقومات صناعة مستقبل الشعوب والحضارات.

 

ولعل من أبرز الأسباب التي حالت دون أن نحتفي أو نفرح  كما يجب بذكري إستقلالنا ، بل  ونشعر بالطمام والدوار نتيجة المِر الذي يزدرد دواخلنا ، هو عدم إحساننا قراءة التأريخ على الوجه المطلوب ، إذ لا تزال مناهجنا الدراسية تسمي الغزو الخارجي لديارنا فتحاً، وتنعته بالثنائي وربما حديثاً – لا قدر الله – بالرباعي ( الآلية الرباعية) ، وما هو كذلك ، إذ أن الغزو المسمى بالثنائي التركي المصري لبلادنا وسلطناتها التي كانت تشكل نظاماً شبه كونفدرالي في العام 1821م. لم يكن في حقيقته تركيا أو مصريا وإن تنكر خلف رايتيهما، هذا عوضا عن أن مصر حينها لم تكن صاحبة قرار من بعد هزيمة وسقوط دولة المماليك العظيمة، وتفكيك جيشها ومؤسساتها القومية علي يد الماسونية العالمية وممثلها محمد علي باشا الألباني الجنسية وأسرته من بعده، أما تركيا فقد رضيت بالسيادة الإسمية بعد انتصاره عليها في حربه ضدها في بلاد الشام ، وقد أستعان محمد علي وأبناؤه من بعده علي حكم السودان بالإداريين الأوربيين من أمثال غردون وجسي وسلاطين الذين أنعم عليهم بلقب الباشوية وفتح الباب علي مصراعيه لدخول الجواسيس باسم الرحاله والتجار الذين وفدوا بالعشرات إلى بلاد السودان ، كما خرجت من الخرطوم حملات سليم قبودان الثلاث ( 1839- 1841م) التي وصلت إلى غندكرو وفتحت الطريق أمام الرواد والمقامرين الأجانب أمثال بران دوليه وأعضاء البعثة الكاثوليكية بوسط افريقيا، مما عده الكولونيل كاميل القنصل الإنجليزي في مصر من إنجازات محمد علي باشا في غرس بذور المدنية والحضارة في السودان.

 

وقد استطاع محمد علي باشا وأولاده من تحقيق الأهداف الرئيسة للماسونية العالمية من إحتلالها السودان من الحصول علي الذهب من جبال بني شنقول وغيرها ، والرجال الأشداء من أهل السودان لضمهم الي جيشه للإستعانه بهم في حروب الماسونية القادمة، وتأمين منابع النيل (ولعل ذلك كان إحساساً باكراً بحرب المياه القادمة) عوضاً عن مطاردة المماليك والقضاء عليهم وعلى ما يحملون من بذور قيم تحررية وحضارية مغايرة يخشى عودتها مرة أخرى.

 

وقد ظلت تلك الأهداف أعلاه هي ذات الأهداف التي لأجلها أعادت الماسونية العالمية غزو وإحتلال السودان في بداية القرن الماضي ( 1899- 1916م) ، وهاهي تكرر غزوها وسعيها لإحتلاله عند الربع الأول من القرن الحالي ( حرب 15 أبريل 2023) . ورغم إختلاف أساليب وآليات ووسائل وأشكال وأدوات الغزو والإحتلال في كل مرة، إلا أن الأهداف ظلت كما هي مع صياغة جديدة لها عند كل مرة. ويظهر ذلك بوضوح في تصريح  اللورد كتشنر قائد الجيش الغازي 1898م. : ( إن لم تستجمع القوي الكنسية جهودها في أفريقيا فإن العرب المحمديين (يعني المسلمين) سيقدمون إلي مراكز القارة من قواعد تمكنهم من صد كل نفوذ حضاري (أي أوروبي) صوب الساحل ، وستؤول البلاد إلى الحكم الخاطيء) .

وهو – كما ترى- سعي لهندسة مستقبل السودان  حتى لا يتمكن المحمديون كما ذكر من صد النفوذ الحضاري الغربي وإقامة الحكم الوطني (الخاطيء) ، وهو أيضا هدف رئيس لا يخرج في مجمله من الطمع الحالي في التحكم والسيطرة واقتناص بلادنا التي تقع في قلب دائرة الصراع الإستراتيجي الدولي في كافة محاوره المعلومه من صراع علي الغذاء والطاقة والمعادن الثمينة والمواقع الإستراتيجية عوضاً عن محور الصراع العقدي الثقافي وما يتضمنه من تحقيق حلم إقامة دولة إسرائيل الكبري من الفرات إلى النيل ، والذي بات قاب قوسين أو أدنى من تحققه كما ترى الصهيونية العالمية.

 

ومما تقدم يمكننا فهم أهداف الغزو الرباعي (نسبة إلى دول الآلية الرباعية)  ، وحرب إحتلال الدولة السودانية التي تدور رحاها منذ 15 أبريل 2023 وهي – كما تري – غزو وحرب لا تختلف عن سابقتها إلا بقدر اختلاف حروب الجيل الأول التقليدية عمّـا تلاها من حروب الجيل الرابع والخامس الحالية التي أصطلح عليها بالحروب الذكية ( Smart Power) وهي مزج بين الحرب الصلبة والحرب الناعمة كما يقول منظرها الأمريكي الجنسية جوزيف ناي . والتي فصَّل كثيرا في وسائلها وآلياتها وأساليبها وأدواتها الوظيفية، رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق جورج تينيت في كتابه الموسوم ب: في قلب العاصفة ( At The Centre Storm ,  My year at The C.I.A )

والذي بلغت عدد صفحاته 576 صفحة ، والصادر في في 30 أبريل 2007م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى