العالم سيصبح أفضل إن شاء الله … وهذه هي الأسباب

الرفيع بشير الشفيع
بكل الإشارات والدلالات والبشارات الدينية وبكل الإرهاصات ومعالم المآلات التي بدأت تتضح في أفق العالم ومصيره، فإنه من المحتوم أن يصبح العالم أفضل ، ولكن متى ، فالعلم عند الله وحده، ولا أحد يستطيع أن يحدد نقطة العودة the turning point لهذا العالم من الحالة التي وصلها، ودعونا نتأمل ما يدعوني للإقتناع بهذه النتيجة، ليس تفاؤلاً ولا تنبؤاً ، إنما من إشارات ودلالات كثيرة:-
أولاً:
وصل العالم الآن وفي عمومه الغالب إلى طريق مسدود في التعايش وفي قبول التنوع البشري والجغرافي والبيئي الذي خلقه الله ، وصل إلى القمة ، من حالة اللاعقل واللا حكمة واللا إنسانية في التعامل بين سكانه، وهذا يقتضي بالطبع زوال الجميع إذا استمر الحال على ما هو عليه ، فيتضرر الجميع على ظهره وهذا بالطبع لا يريده الكُل وستجد الحكمة ” الإنسانية” طريقها يوما ما إلى إيجاد حل وطريقة للهبوط الناعم من تلك القمة، وهذا بمقتضى أن الشعوب ما زالت تحب الحياة، وأنه لا يزال هناك الكثير منهم من يُعمر هذه الحياة بتعاملاتها أخلاقيا وقيميا وإيمانيا ويوجهها بالحكمة إلى نوال الآخرة فالعالم لم يعدم الحكمة بعد.
ثانياً:
الحكمة الإلهية في استمرار الكون وبنفس مخلوقاته من كائنات حية بمن فيها العنصر الإنساني ، ومنظومة الطبيعة، ومنظومة الكون ، هذه ، لا يتحكم في نهايتها إلا الله مهما دمر الإنسان الجاهل والأناني طرفاً من هذه المنظومات الإلهية، حيث أن الأمر كله بيد الله وفق الإيمانيات المقنعة للكثير من ساكني الأرض ، وأن نهاية العالم كله بيد الله (وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرُزا) ، عليه مهما طغى الجانب التدميري لهذا العالم فإن الأمر بيد الله بدءاً ونهاية، وهو المسيطر والمقرر والمُريد لهذه النهايات، كما أنه المتحكم في مستوى قمم الطغيان والفساد في الكون في حالة إنسداد الطريق على العالم ، وهو المتحكم أيضا في متى ومدى سيرجع العالم من هذه القمة المدمرة التي وصلها ، وإذا تخيلت خطاُ متصاعداً وصل قمته لحالة العالم the world condition ، وأيقنت أنه لابد من إنحناء لهذا الخط ، فإن مسار هذا الخط وقمته وبدء منحناه وكيفيته هي بيد خالق هذا الكون والمسيطر عليه ، فلا يمكن أن يموت هذا الكون هكذا، وبفعل البشر ، إلا أن يشاء الله (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
ثالثاً:
الحكمة والإرادة الربانية التي آمن ويؤمن بها أصحاب الحكمة المؤمنون منذ أن خلق الله هذا الكون وجعل فيه خليفة، هذه الحكمة تقتضي أن هنالك نهاية للكون، لكنها اقتضت أيضا أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّٰلِحُونَ) والصلاح الوارث يقتضي أيضا أن هذا الصلاح يشمل صلاح الأنفس وصلاح العقيدة وصلاح العلاقة بين الناس والله وصلاح الكون وإعماره بعوامل الصلاح وفقا لما يختاره الله ، وحينها فلا خيار لأهل الباطل الذين أوصلوا العالم لهذه القمة ، إلا الإنصياع جبرا إلهياُ ليكون ضمن منظومة الصلاح متى ما قلت حيلتهم وعديدهم عند تهيئة الله للكون للصلاح الذي يؤمن به أهل الزبور والكتاب والقرآن وهؤلاء هم أهل الحكمة ومستحقي الصلاح ومستحقي وراثة الأرض، متى ما اكتملت فيهم الشروط الإيمانية والعقلية والحكمة وهداية الله.
رابعاً:
وصل الكثير من الشعوب أفرادا وجماعات إلى قمة اليأس من طابع الحياة، المدني والرأسمالي والأيديولوجي المادي، الذي وصل إليه العالم اليوم ، والذي أودى به لما نراه من شقاء وهرج ودماء ودمار شامل وانعدام للقيم والأخلاق والإنهيار في الإيمان وحرب الدين أي كان شكله، والوصول إلى حالة البهيمية في التعامل وفي الأخلاق والقيم ، وسهل على الإنسان قتل أخيه الإنسان وطغى الظالم حتى صار لا يرى لنفس الإنسان أي قيمة وتكاثرت الحروب وانعدم الأمن العالمي وركبت حكوماته وإداراته موجة التعامل بقمة الأنا والطغيان والجبروت والبعد عن القيم والإيمان وبلغت الماديات وحب الحياة تلك القمة والتي لابد فيها ومنها ولها من إنثناء وإنحناء ذلك الخط الصاعد والمتصاعد، في لحظة ما ، وهذا سيصب في صالح الخير إلى الافضل ، أبى من أبى وتكبر من تكبر أو تجبر المتجبرون حينها.
ويلاحظ أصحاب البصيرة ويتابعون مسار العالم وبحث الكثير عن حل وبحثهم ومساهماتهم مؤمنين على كافرين، لإيجاد نور في نهاية نفق الكون، وقد لجأ العقلاء وعلماء الإجتماع الى البحث عن إصلاح الحالة الإنسانية human condition والتي وصلت للقاع، وهذا يصب في صالح ما بعد قمة المنحنى.
خامساً:
من طبيعة العالم التي حددها الله، أن العالم يمرض ويضمحل لكنه لا يموت ، إلا بالساعة والكيفية التي حددها الله، وعلى الرغم من الصراعات العظيمة بين الحضارات ، وبين الطغاة والطغاة وبين هؤلاء وبين الضعفاء في هذا الكون، وعلى الرغم من وجود خطين متوازين بين الحق والباطل، لكن كل الديانات وكل الفلسفات والقناعات البشرية في العالم ، تؤمن طوعاً أو كرها بأن عوامل الموت والحياة واستمرارية الكون من عدمها ووجود العوالم هي بيد إله رغم كفر الكافرين وإلحاد الملحدين وتجرؤهم على الله (ولئن سألتهم مـَن خلق السموات والأرض ليقولن الله) وهذه القناعة الإنسانية ستكون لها المساهمة في اختيار جانب الصلاح والأفضلية عندما يستوى ذلك الخط في أقصى مداه ولا يفضل له غير الإنحناء الى العالم والكون الأفضل ، وعليه فإن في تلك نقطة الرُجعى the turning point ، ستنعدم قوى الشر وستنتهي حالة العالم الملتهب وحالات العداء وحالات القوى المادية والبطش متى شاء الله وحدد تلك النقطة.
العالم سوف يصبح أفضل وستشرق الشمس ثانية دون ذلك الشفق الأحمر الذي ارتوى بدماء الشعوب ، ولسوف يعم الأمن والسلام والسماحة بين الشعوب ولسوف تتواصل أنعم الله على مخلوقاته، وسيهدي الله الأنفس، بإذن الله ، طالما أن وعد الله (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّٰلِحُونَ) ولأن ميراث الصالحين لم يكتمل بعد وهو يمثل مآلات ونهايات هذا الكون، على الرغم من ورثات الرسل والنبيين ومن اتبعهم وإصلاحهم هنا وهناك في أرجاء الكون ، بأزمنتهم، إلا أن الإصلاح الكلي آت لا محالة وفي زمان يعلمه الله ، على الرغم مما نراه من ظلام وظلامات العالم وعلى الرغم من الطغيان والحروب والدماء وما وصل إليه العالم من طريق مسدود بفعل الإنسان ، إلا أن إرادة الله ومشيئته في كونه ، شيء مختلف ومختلفٌ تماما ، إن شاء الله.
والله أعلم



