بين د. طارق الهادي وإرث الإنقاذ: أزمة الخطاب الشعبوي في السودان

رمضان أحمد
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر إحالة العميد د. طارق الهادي إلى المعاش، وكانت أغلب التعليقات عبارة عن احتجاج على القرار بالنظر إلى الدور الذي قام به د. طارق خلال الحرب من شحذ للهمم في ظروف بالغة الخطورة. وبنفس القدر هناك من نظر إلى القرار بشيء من العقلانية واعتبره مناسباً بالنظر إلى الظرف الذي يمر به السودان وحساسية الملف الخارجي مما يتطلب ضبط الخطاب الداخلي، خاصة وأن الدكتور طارق يرتدي البزة العسكرية ويتناول قضايا سياسية حساسة. وهناك من بالغ في التعبير عن التشفي وهو جزء من الغلو والتطرف والفجور في الخصومة.
في هذا المقال نتناول جذور الخطاب الشعبوي الذي تبناه العميد د. طارق حتى نضع الأمر في سياقه الصحيح، بعيداً عن التقريع في النقد أو الفجور في الخصومة، ونتطرق إلى نوع الخطاب المطلوب في هذه المرحلة وما بعدها.
يمثّل العميد د. طارق الهادي اتجاهاً واسع الانتشار في الواقع السوداني، يمكن وصفه بـ«الخطاب الشعبوي»؛ وهو خطاب لا يميّز بين ما ينبغي قوله علناً أمام الجمهور، وما يجب أن يبقى في نطاق التداول الخاص. هذا الخلط بين المجالين العام والخاص كان أحد الأسباب الرئيسة في الحصار الذي واجه حكومة الإنقاذ منذ بداياتها وظلت أزمة الخطاب ملازمة للنظام، حيث تحوّل التنديد بالقوى الدولية، كأمريكا وروسيا، إلى جزء من الخطاب العام، في إطار ما يمكن تسميته بـ«اقتلاع الآخر» بدلاً من السعي للتعامل معه أو التفاعل الإيجابي معه حتى على مستوى الخصوم السياسيين.
وفي سياق هذا الخطاب، يميل المسؤولون الحكوميون – بل وحتى بعض المثقفين – إلى استسهال استثارة العواطف في مخاطبة الجماهير، عبر أسلوب يقوم على التحشيد والانفعال أكثر من اعتماده على العقلانية والتحليل. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه العقلية إلى ثقافة عامة خلال عهد الإنقاذ، تُستخدم لمواجهة الخصوم عبر إطلاق أوصاف قد لا تنطبق عليهم بالضرورة، حتى وإن كانوا مجرد خصوم سياسيين.
واليوم، تُعدّ الحرب الدائرة من أقوى محفزات هذا الخطاب الشعبوي، إلى حد الإسراف. غير أنّ النظر المتأني يكشف أن قضايا الحرب، على خطورتها ووضوحها، لا تحتاج إلى هذا القدر من استثارة العواطف، بقدر حاجتها إلى خطاب عقلاني يطرح الحقائق كما هي، ليصلح في الداخل والخارج على حد سواء.
لقد كان متوقعاً أن يشكّل سقوط نظام الإنقاذ فرصة لإحداث قطيعة مع هذا الإرث، وبداية مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل الرأي العام على أسس من الرشد والتعقل. لكن من المؤسف أن الخطاب الشعبوي لم يتراجع، بل ازداد حدّة، حتى بلغ أحياناً درجة الغوغائية، إلى حد أصبح معه الخطاب العقلاني يُنظر إليه على أنه مثالي أو حالم.
يقوم الخطاب الشعبوي في جوهره على الخوف من الآخر، والسعي إلى إقصائه، وهو ما يولّد نزعة مستمرة نحو التحشيد بهدف تحييد هذا الآخر أو احتكار الجماهير دونه. وهذا الخوف غالباً ما يرتبط بأزمة شرعية؛ إذ كلما افتقد الحاكم إلى التفويض الشعبي الواضح، ازداد اعتماده على إثارة العواطف لتعويض هذا النقص. أما حين يستند الحاكم إلى شرعية حقيقية، فإنه لا يحتاج إلى هذا الأسلوب، بل يخاطب الناس وفق البرنامج الذي نال به تفويضهم، ويكون تركيزه على الوفاء بالتزاماته، لا على ملاحقة الخصوم. وفي هذه الحالة، تتحول العلاقة مع الآخر من «اقتلاع» إلى «استقطاب» أو تعاون إن أمكن.
وعلى النقيض، فإن الوصول إلى الحكم بوسائل ملتوية غالباً ما يُنتج هوساً دائماً بالشرعية، يدفع صاحبه إلى اللجوء المستمر إلى الخطاب الشعبوي، واستدعاء كل ما من شأنه إثارة المشاعر، سواء كانت دينية أو عرقية أو جهوية لمحابة الآخر “الحقيقي” أو “المتوهم”.
وإذا نظرنا إلى بعض التجارب الإقليمية، نجد نماذج مختلفة للخطاب الراشد، كما في تركيا وقطر مثلاً. ففي تركيا، مثّلت تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجاً متقدماً، حيث اعتمد خطاباً سياسياً قائماً على ركائز وطنية، ما أتاح مساحة للتعاون مع المعارضة في القضايا الكبرى. وهذه إحدى ثمار الخطاب الرشيد، إذ يحدّ من الاستقطاب الحاد ويفتح المجال للتوافق الوطني.
أما في قطر، فقد انطلق الخطاب السياسي من توافق واضح مع المزاج الشعبي ذي الطابع العروبي الإسلامي، فجاء هادئاً ومتزناً، مما أكسب الدولة احترام الخصوم قبل الأصدقاء. وخلال الأزمة الخليجية، لم تنجرّ قطر إلى خطاب التصعيد أو الكراهية، رغم الضغوط الكبيرة، بل حافظت على لغة منضبطة ومتزنة التزاماً بالأصول.
وفي السياق السوداني، ورغم أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان لا يحتاج إلى خطاب شعبوي لتثبيت موقعه، بحكم طبيعة المرحلة الانتقالية وكونه حاكم بالأمر الواقع، إلا أن الخطاب الشعبوي لا يزال حاضراً، بوصفه امتداداً لإرث سياسي سابق، يعتبر جزءاً أصيلاً من تكوينه الشخصي.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى خطاب سياسي راشد، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتربّص الخصوم، حيث يمكن لأي تصريح غير محسوب أن يُستغل لتأويلات مضللة تُستخدم ضد البلاد. ومن هنا، فإن المسؤولية تقع أيضاً على الشخصيات العامة، ومنهم السيد طارق الهادي، خاصة وهو خارج الإطار الرسمي للمؤسسة العسكرية، في تبنّي خطاب أكثر توازناً يسهم في بناء رأي عام واعٍ، قادر على التمييز بين الحقائق والانفعالات، ويؤسس لحراك سياسي واع يعظم المشتركات الوطنية ويقلل من حدة الاستقطاب.
وعلى هذا الأساس، يُؤمَل أن يكون له دور إيجابي في الإسهام في إعادة صياغة الخطاب العام في السودان، باتجاه مزيد من الرشد والمسؤولية.



