نظام إقرار الشحنات المسبق والأسئلة الحائرة

حبيب الله عبد الوهاب
إلحاقاً بمقالنا السابق في ذات الإطار، دعونا نتذكر معاً أن الجمارك السودانية قد قدمت لنظام الإقرار المسبق للشحن ACD بأنه سيحقق تبسيط وتسهيل و تسريع الإجراءات و ذلك يأتي في إطار مواكبتها للمفاهيم و النظم الحديثة في مجال التجارة العالمية، كما أوضحت، و نظام الـ ACD هو نظام إلكتروني يتعامل مع البيانات المقدمة عن الشحنات المتجهة إلى الموانئ السودانية، و لأننا على بعد أيام من بداية العمل بموجبه فإن أسئلة كثيرة حائرة تزدحم أمامنا و هي تبحث عن إجابات واضحة، كلها تتصل بجدوى النظام و مدى مقدرته على الصمود أمام التحديات العملية التي ستواجهه و مدى مقدرته على تحقيق الأهداف و الآمال التي علقتها عليه الإدارة العليا في هيئة الجمارك السودانية.
قبل استعراض هذه الأسئلة الحائرة نود أن نستذكر نحن و القراء الكرام أنه و في خلال الأسبوع الماضي قرأنا لعدد من الأقلام والمنصات الإعلامية التي تناولت هذا النظام الجديد و وقفنا على الأسئلة التي أثيرت حول ماهية وجنسية الشركة التي قامت بتصميم وتنفيذ المنصة بالتعاون مع الجمارك وتلك التي أثيرت حول ماهية ودور الشركات الأجنبية التي ستتولى إصدار شهادة الـ ACD نيابة و وكالة عن الشركات الشاحنة أو المصدرين أصحاب الشحنات المتجهة إلى الموانئ السودانية؛ وعلى الرغم من أن بعض هذه الاستفسارات والأسئلة تستحق الوقوف عندها إلا أنها تبتعد مسافة ما عن طبيعة هذا النظام ومدى استعداده لتقديم الجديد والحديث في مجال التعاطي مع تعقيدات ومطبات التجارة الدولية.
دعونا نستعرض هنا بعض الأسئلة الملحة التي تفرض نفسها ومن بينها:
هل باستطاعة الجمارك قبول الفواتير التي تقدم عبر نظام الــ ACD بغض النظر عن قيمتها أم ستخضعها لسجل القيم لديها؟
على صعيد التعامل مع معضلة الفواتير، نعلم أن قيمة البضائع المستوردة تنتهي عند الاتفاق بين المصدر والمستورد (السوداني) وذلك لأن كلا الطرفين تجمعهما دائرة مصالح مشتركة ومغلقة، بالتالي بإمكان المستورد (السوداني) تحديد السعر الذي يناسبه إذا قرر الهروب من الرسوم والضرائب وهذا ممكن ووارد بداهة لدى ضعاف النفوس و في البال أنه يملك التأثير على الشاحن،
وهنا نقترب من نظام ACD لنسأله هل ستقبل الجمارك فاتورة الشاحن أو المصدر لمجرد أنها صادرة منه، بغض النظر عن قيمتها؟ أم ستدخل الجمارك في متاهة البحث عن مصداقية الفاتورة وتطلب توثيقها من قبل الغرفة التجارية أو وزارة التجارة في بلد المنشأ مثلا ثم تقبلها بعد ذلك بعلاتها وهي مغمضة العينين؟ أم ستخضعها لسجلاتها الخاصة وتقرر بشأنها إن كانت متدنية UNDER INVOICE أو متوافقة مع السجلات؟
في رأينا إن قبلت ضاعت الإيرادات لا محالة وإن رفضت ضاع النظام الجديد فأيهما تختار الجمارك السودانية؟
هل يملك نظام الـ ACD آلية التحقق من وصف البضاعة وهي في موانئ الشحن أو هي في عرض البحر أم هو نظام إلكتروني يتعامل مع بيانات الشحنة التي يقررها الشاحن فحسب؟
ونحن أمام مأزق حقيقي يتعلق بوصف البضاعة، سيضطر المستورد السوداني للتعاطي معه عندما يدخل نظام ACD حيز التنفيذ، وما تجدر الإشارة إليه هنا، هو أن الشاحن أو المصدر تقع عليه بالطبع مسؤولية كتابة وصف البضاعة على المستندات (بوليصة الشحن، الفاتورة الخ …….) على ضوء ما تم التعاقد عليه بينه وبين المستورد (السوداني) و أن المنصة ستتعامل مع هذا الوصف، ولعل طابوراً من الأسئلة المتداخلة ينتظرنا، هل لدى نظام ACD آلية تمكنه من التعرف على وصف البضاعة والتقرير عن مدى مطابقتها مع ما كتب على المستندات وهي ما زالت في ميناء الشحن أو هي في عرض البحر بالتالي تعتمد الجمارك الوصف بشكل نهائي ثم تفرج عن البضاعة فور وصولها بعد اكتمال دورة التخليص الجمركي دون كشفها والتحقق منها؟ أم ستقوم الجمارك بإجراء الكشف EXAMINATION عن البضاعة في المنطقة الجمركية CUSTOM AREA بما يتضمن ذلك فحص بعضها لدى معملها الجمركي ثم تقرر بخصوص مطابقتها للمستندات وصلاحيتها للاستهلاك أو الاستخدام كما كانت تفعل في السابق؟ هل ستلغي الجمارك التدابير والإجراءات التي تتبعها الهيئة السودانية للمواصفات في الكشف ميدانياً وفعلياً على البضاعة بعد وصولها إلى الموانئ السودانية؟ في رأينا أن نظام الـACD لا يملك آلية للتحقق والكشف عن البضاعة قبل تحركها أو وهي في عرض البحر لكونه نظام إلكتروني يتعامل مع البيانات المتاحة عبر مستندات الشحن كما هي، ولا يتمتع بخاصية الاستشعار عن بعد، ولأننا نعلم أن الجمارك قطعا ستتمسك بمسؤوليتها عن كشف البضاعة عند وصولها وستمكن المواصفات من الاطلاع بمسؤولياتها فإننا سنجد نفسنا أمام حقيقة واضحة المعالم وهي أن نظام الـ ACD لا يقدم أي ضمانات عملية تتعلق بوصف البضاعة بل سيصادم المعايير المحكمة و المثالية التي يتبعها النظام الجمركي الحالي.
من يتحمل كلفة إصدار شهادات الـ ACD الدولارية؟ ولماذا تنحصر مسؤولية الإصدار في الشركات الأجنبية؟
الحقيقة الصادمة و التي يصعب تجاوزها هي أن نظام الـACD يفرض تكاليف دولارية إضافية عالية بالضرورة سيتحملها المواطن السوداني في نهاية الأمر وذلك لأن النظام يفرض تعريفة عالية على أي طن يدخل البلد بحراً ، جواً كان أو براً بمتوسط 4 دولار على كل طن ، و إذا علمنا أن واردات السودان عن العام 2024 على سبيل المثال و استنادا إلى ما جاء في العرض الاحصائي للبنك المركزي هي 4.3 مليون طن لمختلف السلع الواردة فإن الشركات الأجنبية و الأجنبية حصراً وهي التي تضطلع بمسؤولية الإصدار ستحصل على ما يقرب من إلى 16 مليون دولار على الأقل سنوياً.. صحيح أن الشاحن هو الذي سيقوم بدفعها لكنه سيقوم لا محالة بتحميلها لتكلفة البضاعة، فلا يمكن أن نتصور أنه سيقوم بدفعها من باب التطوع. والأسئلة هنا تزدحم علينا، لماذا تقتصر مسؤولية إصدار شهادات الـ ACD على الشركات الأجنبية فقط مثل ITR LOGISTICS TARDE DMCC DUBAI وSUSTAIN & ABLE وغيرها؟ هل لأن هذه الشركات تتمتع بمصداقية معدومة لدى الشركات الوطنية؟ هل لا توجد شركات وطنية لديها المقدرة التقنية والعلمية والمصداقية في التعاطي مع هذا النظام؟ هل ستحصل الجمارك السودانية على نصيبها من رسوم الإصدار هذه أم ستتركها بالكلية لهذه الشركات الأجنبية؟
لماذا الإصرار على إلغاء نظام الجمارك الحالي لصالح نظام الكتروني لا يقدم أي حلول عملية؟
من خلال الأسئلة التي طرحناها والتحليل الذي قدمناه نستطيع أن نصل وقراؤنا الكرام إلى حقائق مؤلمة و هي أن نظام الـACD سيتصادم مع نظام تحصيل الإيرادات فيما يتعلق بالقيمة الجمركية للبضائع المشحونة إن قبلت الجمارك بذلك، كما أن النظام لا يقدم أي حلول عملية في التعامل مع وصف البضاعة المشحونة بالإضافة إلى كلفة الإصدار التي سيتحملها المواطن السوداني بينما يذهب عائدها إلى شركات أجنبية علاوة على تعقيدات إجراءات الإصدار نفسها، فهو إذا وبهذه المواصفات فعلا سيسجل أهدافا لكنها قطعا ستكون أهدافاً عكسية ..
لمصلحة مَن يتم تجاهل مقدرات الجمارك السودانية؟
ما ظللنا نردده دائما هو أن النظام الجمركي الحالي نظام متقدم جداً ويقوى بكل ثقة على الإجابة على كافة متطلبات التحول الرقمي بما يشمل الربط الشبكي مع كافة شركاء التخليص الجمركي من بنوك ووزارات وهيئات ووكلاء تخليص و موردين كما أنه يقوم على أحدث بروتكول للاتفاقية الدولية لتبسيط وتنسيق الإجراءات الجمركية و هو بالإضافة إلى كل هذا الأقوى على صعيد كفاءة تحصيل الإيرادات و حماية المستهلك ، و لا يخفى على الجميع أن هيئة الجمارك تضم كوادر على درجة عالية من التأهيل العلمي و العملي ، فإن كانت هنالك ضرورة عملية لإنشاء منصة إلكترونية تعني بمعالجة عمليات التجارة الدولية فلتكن وطنية خالصة .
نواصل ……..
** خبير تجارة دولية



