رأي

خلع الملابس بين الفعل الدرامي والهتاف السياسي

خالد البلولة

فكرة خلع الملابس في المسرح ليست جديدة؛ فقد مارسها عدد من الممثلين في تجارب مسرحية مختلفة، بوصفها فعلًا صادمًا يُستخدم أحيانًا كأداة تعبيرية داخل البناء الدرامي.
من بين هذه التجارب ما قدّمه الممثل السوري حسين مرعي وهو لاجيء يقيم في ألمانيا، حين خلع ملابسه ووقف عاريًا أمام الجمهور لمدة 30 دقيقة في مسرحية (يا كبير) ضمن مهرجان قرطاج بتونس. وقد قوبلت فعلته باحتجاج واسع دفع عددًا من الحضور إلى مغادرة القاعة.

وإن لم تخني الذاكرة أعتقد أن الفاضل سعيد (رحمة الله عليه) قدّم في واحدة من مسرحياته مثالًا أكثر ذكاءً في توظيف خلع بنطلونه ليفاجئ الجمهور بارتداء سروال طويل تحته؛ فكانت الصدمة لحظية، سرعان ما تحوّلت إلى قبول وضحك، لأن الفعل أُدرج داخل بناء فني واضح، وله مبرره الدرامي والجمالي.

فلماذا إذن خلع الممثل محمد تروس بنطاله خلال احتفالية في كمبالا؟!!
أعتقد أراد بذلك أن يلفت نظر الجمهور إلى واقع سياسي مأزوم (بحسب وجهة نظره) وذلك بتقديم خطاب سياسي طُرح في شكل معالجة مسرحية انتقد فيه ممارسات حكومة الإنقاذ خلال فترة حكمها، وفي رأيي الشخصي إن هذا الخطاب لم يستند إلى بناء مسرحي أو معالجة فنية، بل جاء أقرب إلى الهتاف السياسي المباشر، وأعتقد أن توظيفه لخلع البنطلون كان بغرض جذب انتباه الجمهور واستمالته لمتابعة الخطاب.
صحيح تفاعل الجمهور بالتصفيق لحظة خلع الملابس، إلا أنه سرعان ما تغيّرت ملامح الجمهور عند البدء في إلقاء خطاب هتافي بين الحيرة والدهشة وهو ما بدا واضحًا على وجوه الحاضرين (التقطتهم الكاميرا) وأعتقد أن الجمهور كان يتوقع (عرضاً) مسرحيا وليس خطابا سياسيا..

وضعت في الخلفية (أثناء أداء تروس لدوره) لافتة بلون أزرق كُتب فيها بعض العبارات والرموز، من بينها:
1-خريطة السودان (بعد الانفصال) وأعتقد أنها ترمز إلى توقع المزيد من التشظي والانقسام.
2-حدود النهر والبحر، يمكن قراءته بأنها (لدولة البحر والنهر ) وتمثل سياسة مغلقة، وهذا الطرح يتماهى مع الخطابات الجهوية التي ينادي بها عبد الرحمن عمسيب.
3-حركة أبناء شمال ووسط وشرق السودان (الجناح السياسي) ..
وهذا توصيف لتنظيم سياسي يُستخدم داخل بعض الحركات السودانية، يعكس انحيازًا واضحًا في رقعة جغرافية محددة..
وتحت هذه العناصر وردت عبارة: دولة الدعارة والمواخير (دولة العطاوة الدارفورية) وأعتقد أنه يقصد بها مشروع آل دقلو في السيطرة على السودان (تأسيس دولة العطاوة).

جاء الخطاب هتافاً سياسياً مباشراً، مارس فيه نقداً صريحاً لتجربة الانقاذ خلال ثلاثة عقود.. ويُفهم من سياق الخطاب والدلالات الرمزية (في اللافتة) أن دولة العطاوة امتداد للانقاذ .. وتمثل اللافتة استعارة سياسية تشير إلى الارتهان والعمل بالأجر لصالح سلطة أكبر.

فالمعنى الذي يسعى الخطاب إلى تمريره هو أن هذه القوة المسلحة لا تمتلك مشروعًا ذاتيًا مستقلًا، ولا رؤية وطنية نابعة من مصالح (مجتمعها) وإنما تم توظيفها خلال فترة حكم الانقاذ كأداة عنف وتؤدي أدواراً بالوكالة، قبل أن تخرج من السيطرة وتتحول إلى كيان مسلح بلا أفق سياسي واضح..

الذين صدموا من (خلع البنطلون) ويرون فيه تجاوزاً لثوابت المحتمع.. فلينظروا إلى فيديوهات تروس منذ فيديوهات (حاجة المؤتمر الوطني) وفيديوهاته الأخرى ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى