رأي

سردية الحرب وأفق السلام (4-7) التدخلات والمبادرات الخارجية في الشأن السوداني

تاج الدين بانقا

بعد اندلاع ثورة ديسمبر، برز الحضور الخارجي في المشهد السوداني بصورة واضحة ومكثفة. فقد تحوّل ميدان القيادة العامة وساحة الاعتصام إلى مركز للنشاط الدبلوماسي، وأصبحت الخرطوم مسرحاً لتحركات سريعة للسفارات المقيمة والمبعوثين الخاصين، وقد تم هذا التدخل إما عبر البعثات الدبلوماسية أو من خلال مبعوثين دوليين توافدوا على السودان بكثافة غير مسبوقة خلال تلك الفترة.

وكان من أبرز هذه التدخلات إطلاق مبادرات سياسية، على رأسها مبادرة الاتحاد الأفريقي التي ترأس فريقها البروفيسور “ود لباد”، ثم انضمت إليها لاحقاً إثيوبيا ممثلة في المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي السفير محمود درير. وتحولت هذه الآلية إلى منصة أساسية للتواصل والتفاوض بين المكوّن العسكري، الذي أعلن استلامه السلطة عقب سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، والمكوّن المدني المتمثل في قوى الحرية والتغيير.

وفي تطور لاحق، انضمت إلى آلية الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، لتتشكل بذلك ما عُرف بـ«الآلية الرباعية» التي ضمت الإتحاد الأفريقي، إثيوبيا، السعودية والولايات المتحدة؛ وأسهمت هذه الآلية في إدارة العملية التفاوضية التي أفضت إلى توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019 التي حكمت المرحلة الانتقالية.

اتفاق سلام جوبا :

غير أن الوثيقة الدستورية لم تتضمن مشاركة الجبهة الثورية، التي أُبعدت عن مفاوضات المرحلة الأولى، ما دفعها إلى التوجه خارجياً إلى دولة جنوب السودان. ونتيجة لذلك، دخلت جوبا كوسيط بين الحكومة السودانية في الخرطوم والجبهة الثورية، التي تضم حركات مسلحة من دارفور والحركة الشعبية – شمال (منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان وقوى ثورية أخرى ).
وتطورت مفاوضات جوبا لاحقاً لتسير عبر خمسة مسارات: مسار دارفور، مسار المنطقتين، مسار الوسط، مسار الشمال، ومسار الشرق، بمشاركة نحو خمسة عشر فصيلاً وحركة وتحالفاً. واستمر ماراثون التفاوض إلى أن تُوِّج بتوقيع اتفاق جوبا لسلام السودان في أكتوبر 2020، والذي ترتب عليه تعديل الوثيقة الدستورية، وتشكيل شراكة ثلاثية ضمت المكوّن العسكري (الذي أصبح ممثلاً في المجلس السيادي)، وقوى الحرية والتغيير، وحركات السلام الموقعة على الاتفاق.

استمرت هذه الشراكة حوالي عام واحد، قبل أن تنفجر الخلافات بين مكوناتها. وخلال هذه المرحلة، لعبت السفارات الأجنبية والمنظمات الدولية والمبعوثون الخاصون أدواراً كبيرة في العلاقة بين الفرقاء . وبرز في هذا السياق دور البعثة السياسية للأمم المتحدة (يونيتامس) برئاسة فولكر بيرتس، خاصة بعد احتدام الخلاف بين القوات المسلحة من جهة، والقوى التي تبنت مشروع الاتفاق الإطاري من جهة أخرى.
وقد تركزت الجهود الدولية على الترويج للاتفاق الإطاري، مستخدمة مزيجاً من الوعود والضغوط عبر وسطاء خارجيين لدفع الأطراف السودانية نحو التوقيع. وفي هذا الإطار، جاءت زيارة فولكر بيرتس إلى الجنينة، ولقاءاته مع قيادة الدعم السريع التي اعتكفت هنالك لشهور. في خطوة عكست تصوراً دولياً يتعامل مع الجيش والدعم السريع كمؤسستين متوازيتين، لكل منهما شرعية مستقلة، تحتاج إلى توقيع منفصل، وهو ما يتعارض مع الأعراف ومع ما نصت عليه الوثيقة الدستورية التي اعتبرت القوات النظامية هي القوات المسلحة والدعم السريع وقوات الشرطة وجهاز المخابرات.

و قد جرى التوقيع على الاتفاق الإطاري في هذه الظروف وملابساتها رغم ما شابه من اختلالات بنيوية وعيوب جوهرية، وأُرجأت القضايا الخلافية والمسائل المسكوت عنها لمعالجتها لاحقاً عبر ورش فنية متخصصة، تحت إشراف الوسطاء الدوليين. إلا أن القوات المسلحة رأت في ذلك انحيازاً واضحاً من بعض الوسطاء لصالح الدعم السريع، ومحاولة لفرض رؤيته، لا سيما في ما يتعلق بورشة إصلاح القطاع الأمني والعسكري، التي كانت من أبرز أسباب تعثر الاتفاق الإطاري، ثم اندلاع الحرب لاحقاً.

ما بعد الحرب :
ومع اندلاع الحرب، بدا أن قطاعات واسعة من المجتمع الدولي، إلى جانب عدد من دول الجوار (باستثناء مصر إريتريا والقليل)، كانت تميل إلى دعم موقف الدعم السريع، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وبعد فشل الدعم السريع في الاستيلاء السريع على السلطة، واتساع رقعة الحرب من الخرطوم إلى عدد من ولايات السودان، استمر تمدده الميداني مصحوباً بتأييد خارجي، تجلى في الدعم العسكري اللوجستي والاعلامي وفي الاستقبال الرسمي لقياداته في بعض العواصم.

غير أن المشهد بدأ يتغير مع استنفار الجيش للشعب السوداني، وظهور المقاومة الشعبية، وتمكن القوات المسلحة من استعادة زمام المبادرة، وتحرير المناطق واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى تحرير العاصمة الخرطوم. عندها، تحوّل بعض من الحراك الخارجي من دعم عسكري وسياسي إلى التركيز على العمل الإنساني عبر المنظمات الإغاثية، وتحديد المعابر، وتنظيم حركة المساعدات للمتضررين من الحرب.

وفي الوقت ذاته، نشطت منظمات دولية وإقليمية معنية بالتسوية السياسية، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، عبر مبادرات فردية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، تمثلت في مؤتمرات وورش عمل استهدفت القوى السياسية المختلفة، في إطار السعي لتصميم عملية سياسية جديدة تتزامن مع جهود وقف الحرب.

كما نظمت مؤسسات أوربية ، عدداً من المؤتمرات في كل من سويسرا والقاهرة وأديس أبابا ونيروبي وكمبالا وكوالالمبور وغيرها من عواصم الدنيا، في محاولات متكررة لإعادة هندسة العملية السياسية السودانية.

وعلى الرغم من تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، واصل الاتحاد تحركاته ومبادراته للتقريب بين القوى السياسية، وربط المسار السياسي بمسار التفاوض من أجل وقف الحرب وتأسيس انتقال ديمقراطي.
وبالتوازي مع ذلك، واصلت العديد من الدول، خاصة الأوروبية والغربية، إرسال مبعوثين خاصين إلى السودان، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا وألمانيا وإيطاليا، بحجة المساهمة في وقف الحرب، وإحلال السلام، ودعم مسار ديمقراطي مستدام.

وأخيراً ظهرت مبادرة الرباعية الدولية التي شملت مع أمريكا والسعودية ومصر دولة الإمارات المتهمة من الحكومة السودانية عبر القضاء الدولي لضلوعها شريكاً اساسياً في الحرب مما وأد المبادرة في مهدها لتأتي المبادرة الثنائية السعودية الأمريكية في المشهد من جديد ويعول عليها في أن تسهم بخطوات جادة خاصة بعد إعلان تأييد مصر لها، وكذلك وبالتوازي ظهرت المبادرة الخماسية لتصميم العملية السياسية والمكونة من الاتحاد الأفريقي والايغاد والجامعة العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي التي مازالت تتلمس خطي المسير في الطريق الوعر.

وخلاصة القول، فإن نتيجة كل هذه التدخلات كانت تشكُّل مشهداً سياسياً شديد التعقيد، طغى عليه الوجود الأجنبي عبر مبادرات متعددة ومتداخلة، عكست حالة من التشظي والتنافس الدولي في الشأن الداخلي السوداني، وهو ما انعكس بوضوح في الخطاب الإعلامي المحلي والدولي وجعل المشهد أكثر تعقيداً.

ونواصل،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى