الذهب في السودان: المورد الذي لم يصبح ثروة … موردٌ ضخم بلا أثر تنمويّ

مهند عوض محمود
منذ أن فقد السودان الجزء الأكبر من عائداته النفطية عقب انفصال جنوب السودان في عام 2011، تحوّل الذهب إلى المورد الأهم للعملة الأجنبية، وأصبح في بعض السنوات المكوّن الأكبر في هيكل الصادرات. غير أن هذا التحول رغم ضخامته، لم يعكس نمواً اقتصادياً ولا استقراراً نقدياً ولا تحسناً في مستوى المعيشة؛ بل كشف عن مفارقة قاسية: موردٌ تتضخم أرقامه بينما يظل أثره التنموي شبه غائب.
لا تكمن المشكلة في وجود الذهب، بل في طريقة إدارته وفي البيئة المؤسسية التي يعمل داخلها. فالغالبية العظمى من إنتاج الذهب في السودان تأتي من التعدين الأهلي غير المنظم؛ وهو نشاط واسع الانتشار، لكنه ضعيف الرقابة، محدود التنظيم، وسريع التسرب خارج القنوات الرسمية. هذه البنية تُضعف السيطرة على سلاسل القيمة، وتحرم الدولة من تحويل المورد إلى عائدات مستقرة تدخل الميزانية العامة أو تدعم الجهاز المصرفي.
ومع اندلاع الحرب، انتقلت الإشكالية إلى مستوى أخطر ؛ فالذهب بطبيعته كأصل سهل النقل وسريع التسييل، أصبح من أكثر الموارد قابلية للاستخدام خارج النظام المالي الرسمي. وفي ظل تراجع سلطة الدولة، وتفكك المؤسسات، وتشظي القرار بين جهات متعددة، برزت شبكات محلية وعابرة للحدود تستخرج الذهب وتنقله وتسوّقه وتموّل أنشطتها بعيداً عن أعين الدولة. وهكذا تحوّل الذهب من مورد سيادي إلى اقتصاد ظلّ يتنامى كلما ضعفت الدولة.
هذا الواقع خلق علاقة معكوسة بين الذهب وسعر الصرف ؛ فبدلاً من أن تدعم عائداته الاحتياطي النقدي وتخفف الضغط على الجنيه، تخرج حصيلة معتبرة من الذهب خارج القنوات الرسمية، ثم تعود إلى الداخل في صورة طلب إضافي على العملات الأجنبية، سواء لتمويل الاستيراد أو للتحوّط من التضخم. وهكذا يدخل الاقتصاد في دائرة مغلقة: ذهب يُستخرج؛ عائدات لا تستقر داخلياً؛ ضغط متواصل على سعر الصرف؛ وتنامٍ في السلوك التحوّطي بالذهب والدولار.
وهذه الإشكالية ليست سودانية خالصة. فغانا وتنزانيا – وهما من كبار منتجي الذهب عالمياُ – تعانيان تحديات مشابهة: إنتاج ضخم، لكن أثر محدود على التنمية بسبب ضعف القيمة المضافة واتساع الاقتصاد غير الرسمي. وحتى جنوب أفريقيا، التي كانت يوماً أكبر منتج عالمي، لم تستطع تحويل الذهب إلى رافعة تنموية مستدامة اليوم، بعدما تراجعت مساهمة القطاع نتيجة ارتفاع التكلفة وتراجع الخام وضعف التنافسية.
وفي المقابل، تقدّم إريتريا نموذجاً أفريقياً مغايراً تماماً. فالدولة هناك تمنع التعدين الأهلي منعاً كاملاً، وتستعين بشركات عالمية – خاصة من كندا – لتنفيذ أعمال الاستكشاف والإنتاج وفق عقود طويلة الأجل ومعايير تقنية عالية. ويستند هذا التوجّه إلى قرار اقتصادي مركزي صارم، يسري من أعلى هرم الدولة إلى أسفله، بما يضمن سيادة الدولة الكاملة على المورد ومنع تسربه أو خروجه من القنوات الرسمية.
وقد أثمرت هذه السياسة عن بناء قطاع تعدين منظم أصبح خلال سنوات المصدر الأول للعملة الأجنبية، مع توقعات بزيادة الإنتاج عبر مشروعات جديدة مثل مناجم “بيشا” و“كوكا”، ما يجعل التجربة الإريترية واحدة من أكثر التجارب الأفريقية انضباطاً ونجاحاً في إدارة الذهب، مقارنة بدول تمتلك احتياطيات أكبر لكنها تفتقر إلى منظومة مؤسسية محكمة.
وفي المسار الإيجابي نفسه، نجحت دول مثل أستراليا وكندا في تحويل الذهب إلى عنصر قوة اقتصادية حقيقية، لأنها بنت قطاعاً منظماً يخضع لإشراف مؤسسي صارم؛ وأنشأت معامل تكرير متقدمة؛ وطورت صناعات ذات قيمة مضافة؛ وربطت عائدات الذهب بصناديق استثمار سيادية؛ ووفرت بيئة قانونية مستقرة تمنع التسرب وتفرض الشفافية. نجاح هذه الدول يثبت أن المشكلة ليست في طبيعة الذهب، بل في قدرة الدولة على الإدارة والرقابة والتنظيم.
ويتضح حجم الخلل في السودان أكثر عند مقارنة الذهب بتجربة النفط. ففي الفترة ما بين 1999 و2011، عاش السودان طفرة مالية حقيقية بفعل تدفق عائدات النفط، وحقق نمواً ملحوظاً. لكن تلك العائدات لم تُستثمر في بناء قاعدة إنتاجية مستدامة، بل وُجهت بدرجة كبيرة إلى الإنفاق الأمني والدفاعي والتصنيع الحربي، إضافة إلى مشروعات بنية تحتية ضعيفة العائد. وعندما خرج النفط من المعادلة بعد انفصال الجنوب ؛ انهار الاقتصاد سريعاً لأنه لم يمتلك بديلاً إنتاجياً يحمل الدولة. واليوم يعيد الذهب إنتاج الخطأ ذاته، ولكن في ظرف أشد هشاشة، ودولة أضعف، وحرب توسّع الاقتصاد الموازي وتُضعف قدرة الدولة على ضبط مواردها.
ورغم ذلك، يظل الذهب المورد الوحيد القادر – إذا أُحسن تنظيمه – على لعب دور محوري في إعادة بناء الاقتصاد السوداني. غير أن هذا التحول يتطلب فرض السيطرة المؤسسية على الإنتاج؛ وتنظيم التعدين الأهلي؛ وإنشاء منظومة تكرير معتمدة؛ وإدخال القيمة المضافة؛ وربط العائدات بالزراعة والصناعة؛ وتأسيس صندوق سيادي يعزل موارد الذهب عن الإنفاق الجاري، حتى لا يتكرر خطأ النفط مرة أخرى.
وفي المحصلة، فإن أي مورد لا تُديره دولة مركزية موحدة يتحول من عنصر قوة إلى مصدر استنزاف. والسودان اليوم أمام خيار واضح: إما أن يستعيد سيادته المؤسسية على الذهب ليصبح مورداً يبني الاقتصاد؛ أو يظل الذهب رقماً كبيراً بلا ثروة، ومورداً يمول الفوضى بدلاً من أن يمول التنمية.



