الجوانب الإنسانية في تصريحات فولكر تورك عقب زيارته للسودان

نيروبي – المحقق
عند ختام زيارته للسودان صباح أمس (الأحد) المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، موتمراً صحفياً في مطار بورتسودان ، ثم طار إلى العاصمة الكينية نيروبي، فالتقى أيضاً بمجموعة من الصحفيين، وفي الحالتين عرض مخلصاً لزيارته التي استمرت لأربعة أيام زار فيها بورتسودان، ودنقلا، و الدبة ومروي في الولاية الشمالية.
قال فولكر تورك أنه التقى بمسؤولين من السلطات الوطنية والمحلية، ومنظمات غير حكومية محلية ودولية، وعاملين في المجال الإنساني، وصحفيين، ومحامين، وأشخاصاً نزحوا ابتعاداً من العنف الشديد والوحشية، بل وحتى المجاعة، في الفاشر بشمال دارفور، والذين لجأوا الآن إلى معسكر العفاض للنازحين في الدبة بالولاية الشمالية، على بُعد 1200 كيلومتر من دارفور !!
حرية سلام وعدالة:
وعلى سبيل التذكير و المقارنة قال المفوض السامي أنه سبق وأن زار السودان في نوفمبر 2022. لكنه الآن “تغير الكثير منذ ذلك الحين، إذ أغرقت البلاد في هاوية سحيقة لا غرار لها أثرت في السودانيين كلهم أجمعين”.
واستدرك تورك وهو يستعيد شعارات “ثورة ديسمبر” ليقول “لمن يعتقدون أن روح النضال من أجل السلام والعدالة والحرية قد انكسرت جراء ما يقارب ثلاث سنوات من الحرب الوحشية على المدنيين، لديّ بشرى لكم…إن هذه الروح لم تنكسر.”
ثم أضاف: “لقد شهدتُ في السودان فظائع ووحشية لا توصف، وعانى منها الناس، ولكني شهدتُ أيضاً صمود الروح الإنسانية وتحديها…التقيتُ بشباب هم خط الدفاع الأول في تلبية احتياجات مجتمعاتهم، فهم ينظمون المساعدات ويقدمونها، غالباً في مواجهة عقبات بيروقراطية هائلة، معرضين أنفسهم لخطر الاعتقال والعنف”.
واستطرد: “لقد تجلى وضوح هدفهم، كما قال لي أحد قادة المجتمع المدني: لا نملك القدرة على إيقاف الحرب، لكننا سنبذل قصارى جهدنا لإنقاذ حياة المدنيين. وقال متطوع شاب آخر: يدفع الشباب ثمن الحرب. الشباب السوداني في الخطوط الأمامية لهذه الحرب، يخدمون من هم في أمس الحاجة إلى المساعدات الإنسانية”.
قصص إنسانية:
قال فولكر تورك: إلتقيتُ بمنظماتٍ تُعنى بالمساعدة القانونية والإنسانية، بقيادة نساء، تُقدّم مساعدةً مهنيةً مجانيةً للنساء ضحايا الانتهاكات والتجاوزات المرتبطة بالحرب، مُعرّضاتٍ أنفسهنّ لمخاطر جسيمة”.
إلتقيتُ بمهندسٍ في سدّ مروي ومحطة توليد الطاقة الكهرومائية، التي كانت تُزوّد 70% من احتياجات السودان من الكهرباء، والتي تعرّضت لهجماتٍ متكررةٍ بطائراتٍ مُسيّرةٍ أطلقتها قوات الدعم السريع، كان آخرها قبل أسبوعين فقط. تسبّبت هذه الهجمات العبثية في انقطاع التيار الكهربائي عن المستشفيات، وتعطيل ريّ المحاصيل، وعرقلة الوصول إلى المياه النظيفة، مما سهّل انتشار الأمراض. تُعدّ الهجمات على البنية التحتية المدنية الحيوية انتهاكاتٍ خطيرةً قد ترقى إلى جرائم حرب.
وأضاف تورك :لكن عليّ أن أُخبركم بما قاله لي المهندس في سد مروي. قال: “لم يوقفوا الهجمات، ولن نتوقف عن جهودنا للحفاظ على استمرار التيار الكهربائي في السودان”. وعلق فولكر على ذلك بقوله “لم يثنه شيء، بل ظلّ صامداً. حتى عندما استهدف الهجوم الأخير المكتب الذي يعمل فيه فريقه مباشرةً.”
وقد التقيتُ بمن تضرروا بشدة من العنف الوحشي والظلم في هذه الحرب:
“في مخيم العفاض بمحلية الدبّة، الذي يؤوي الآن نحو 20 ألف نازح، وخاصةً من الفاشر، التقيتُ بطفلٍ في الرابعة من عمره فقد سمعه بسبب القصف، وليس بمقدوره الآن اللعب كما ينبغي مع أقرانه”.
و حكى عن مشاهداته في مخيم العفاض فقال: “التقيتُ حواء، التي كانت تُعدّ لشهادة الماجستير في علم النفس عندما اضطرت للفرار من الفاشر بعد أن فقدت ابنها البالغ من العمر 19 عامًا جراء القصف.
أثناء الطريق، روت أنها تعرضت للنهب والضرب، وأن زوجها اختُطف واحتُجز وعُذِّب على يد قوات الدعم السريع، التي طالبت بفدية قدرها 10 ملايين جنيه سوداني (2860 دولارًا أمريكيًا).”
وقال إن كثيرين قدموا شهادات عن أفراد من عائلاتهم وأصدقائهم محتجزين ومفقودين ومختفين، وأن إحدى النساء شاهدت زوجها وابنها الوحيد يُقتلان. ولا تزال طريحة الفراش من شدة الحزن والصدمة، ومن الرصاصة التي أصابت كتفها وهي تحاول – عبثًا – حماية ابنها.
وبعد أن طالب بوقف الحرب، قال: “يجب على قادة هذا الصراع، ومن يُسلّحون ويُموّلون ويستفيدون من هذه الحرب، أن يسمعوا ما قالته لي عائشة، البالغة من العمر 20 عامًا، والمقيمة حاليًا في العفاض. تقول:
“في 20 أكتوبر، كنا نهرب من الفاشر على عربة يجرها حمار. كانت تلك الوسيلة الوحيدة التي نستطيع تحمل تكلفتها. على الطريق إلى قرية غارني، رأينا جثثًا كثيرة. رأينا رجالًا مسلحين على جمال يقولون: «أنزلوا النساء». حاول أخي منعهم، فأطلقوا النار على ساقيه. بدأت أمي بالبكاء وقالت: «اتركوا أطفالي، خذوني أنا بدلًا منها». ضربوها، ثم أخذوني وأمروني بالصمت وإلا سيقتلون أمي”.
لقد استُخدمت أجساد النساء والفتيات كسلاح – يقول فولكر تورك – ويضيف: وثّق مكتبي في السودان أنماطًا من العنف الجنسي واسع النطاق المرتبط بالنزاع في الفاشر، وعلى طرق الخروج خلال الهجوم الأخير في أكتوبر، وكذلك خلال الاستيلاء على مخيم زمزم المجاور للنازحين في أبريل من العام الماضي.
يُستخدم العنف الجنسي كسلاح حرب. هذه جريمة حرب. ولدينا مؤشرات متزايدة على أن هذا العنف واسع الانتشار ومنهجي.
كما سمعتُ روايات عن عمليات إعدام بإجراءات موجزة واسعة النطاق نفذتها قوات الدعم السريع خلال الهجوم على الفاشر – بدافع الانتقام، أو للاشتباه في انتمائهم إلى القوات المسلحة السودانية أو القوات المشتركة المتحالفة معها. وقبل الهجوم، أخبرني رجل عن أشخاص قُتلوا لمحاولتهم إدخال مسحوق الحليب والدقيق إلى الفاشر، بينما كانت قوات الدعم السريع تُحاصر المدينة حصارًا محكمًا، مُسببةً مجاعة مفتعلة.
يجب ألا ندع مرتكبي هذه الانتهاكات والتجاوزات المروعة يفلتون من العقاب، بغض النظر عن انتماءاتهم. يعمل مكتبي في السودان يوميًا على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها، تمهيدًا للمساءلة.
يجب أن تدفع التجارب المروعة لهؤلاء الناجين إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء هذا النزاع، ومنع تكرار مثل هذه المأساة مع عائشة أو حواء، وضمان حصولهم على ما يحتاجونه من رعاية طبية ونفسية واجتماعية، وتحقيق العدالة، ودعم لمواصلة تعليمهم وتأمين سبل عيشهم.
على مدار هذا النزاع، ارتكبت جميع الأطراف انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، لا سيما مع اشتداد القتال للسيطرة على مناطق جديدة.
قلق إزاء ما يحدث في كردفان:
يقول المفوض السامي:
أشعر بقلق بالغ إزاء احتمال تكرار الجرائم الوحشية التي ارتُكبت أثناء وبعد السيطرة على الفاشر في إقليم كردفان، حيث يتصاعد النزاع بوتيرة متسارعة منذ أواخر أكتوبر.
تشهد ولايات كردفان حالة من عدم الاستقرار الشديد، مع استمرار الاشتباكات العسكرية والقصف المدفعي الكثيف وقصف الطائرات المسيّرة والغارات الجوية التي تشنها أطراف النزاع، مما يتسبب في دمار واسع النطاق وانهيار الخدمات الأساسية. مرة أخرى، كل ذلك يُخلّف خسائر فادحة في صفوف المدنيين.
هناك تقدم ملحوظ لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال نحو مدينة كادوقلي الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، ونشهد استمراراً لنزوح جماعي للمدنيين من المدينة المحاصرة. كل هذا في ظل انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تأكيد ظروف المجاعة في كادوقلي، وخطر المجاعة في مناطق أخرى.
كانت مؤشرات ما سيحدث واضحة قبل أشهر من سقوط الفاشر في أيدي قوات الدعم السريع. ومع ذلك، لم تُؤخذ هذه التحذيرات على محمل الجد، وارتُكبت فظائع بشعة.
“أُوجّه اليوم نفس التحذير الشديد بشأن كادوقلي.”



