رأي

(صمود) بين حرية التعبير وانتحال التمثيل .. قراءة قانونية في جولات مجموعة سودانية خارج حدود التفويض

د. إسماعيل ساتي

خلال الأشهر الماضية، كثّفت مجموعة سودانية تُطلق على نفسها اسم (صمود) جولاتٍ خارجية قام بها عدد من أبرز أفرادها، من بينهم عبد الله حمدوك وخالد عمر (سلك)، شملت عدداً من العواصم الأوروبية ودولاً أفريقية. وقد تضمنت هذه التحركات زيارات إلى فرنسا وهولندا وألمانيا والمملكة المتحدة، إضافة إلى جنوب أفريقيا، حيث أُتيح لأفراد المجموعة الظهور في منصات سياسية وإعلامية مختلفة، وتقديم أنفسهم بوصفهم “ممثلين للشعب السوداني”، رغم غياب أي تفويض قانوني أو انتخابي يضفي على هذا الادعاء صفة التمثيل.

وكان آخر هذه التحركات ما أعلنت عنه المجموعة من زيارةٍ إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، ومقرها لاهاي في مملكة هولندا، وهي الهيئة الدولية المختصة بالتحقيق في استخدام هذا النوع من الأسلحة. وخلال تلك الزيارة، تقدمت المجموعة بطلب فتح تحقيق في مزاعم استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية، وهي مزاعم قُدمت زوراً وبهتاناً، دون أدلة موثقة، ودون أي صفة قانونية تخول المجموعة تمثيل الدولة السودانية أو شعبها.

وهنا يبرز سؤال مشروع، لا يخص السودان وحده، بل يهم القارئ الغربي المعني بسيادة القانون والمعايير الدولية:
أين تقف حرية التعبير، وأين يبدأ انتحال التمثيل السياسي؟

التمثيل في القانون الدولي: من يملك الحق؟

في القانون الدولي، لا تُمنح صفة “تمثيل الشعب” عبر الادعاء أو النشاط الإعلامي أو كثافة السفر، بل تستند إلى معايير واضحة ومحددة:
• حكومة قائمة ومعترف بها دولياً
• أو سلطة منتخبة بتفويض شعبي مثبت
• أو حركة تحرر وطني نالت اعترافاً دولياً صريحاً

وباستثناء هذه الحالات، تظل أي مجموعة سياسية أو مدنية طرفاً معارضاً أو ناشطاً سياسياً لا أكثر، مهما اتسعت منصاتها أو تنوعت وجهاتها.

ومن هذا المنطلق، فإن مجموعة (صمود) – بصرف النظر عن خطابها أو مواقفها – لا تملك أي صفة قانونية دولية تخولها الحديث باسم الشعب السوداني أو الدولة السودانية.

من يتحدث باسم من؟ إشكالية التمثيل السياسي داخل (صمود)

تزداد إشكالية ادعاء التمثيل تعقيداً عند النظر إلى التركيبة السياسية لمجموعة (صمود) نفسها. فجميع مكونات هذه المجموعة تنتمي إلى أقليات حزبية سودانية لم يسبق لها أن نالت تفويضاً شعبياً عبر انتخابات حرة، ولم تفز في أي استحقاق انتخابي طوال التاريخ الحديث للدولة السودانية. والاستثناء الشكلي الوحيد يتمثل في حزب الأمة القومي، وهو حزب تاريخي معروف، غير أن حتى هذا الاستثناء يظل موضع جدل، إذ إن الشخصيات التي تُقدَّم داخل (صمود) باعتبارها ممثلة للحزب – ومن بينها فضل الله برمة ناصر – هي شخصيات مختلف حولها داخل الحزب نفسه، الذي يشهد انقساماً سياسياً وتنظيمياً واضحاً حول هذه المشاركة.

وبالتالي، فإن (صمود) لا تمثل:
• أغلبية سياسية
• ولا تفويضاً انتخابياً
• ولا حتى إجماعاً داخل القوى التي تزعم الانتساب إليها

وهو ما يجعل ادعاء تمثيل “الشعب السوداني” ادعاءً سياسياً بلا سند ديمقراطي.

الاستقبال الغربي: بين الاستماع والاعتراف

من المهم التمييز – خاصة أمام الرأي العام الغربي – بين:
• الاستماع السياسي أو الإعلامي
• والاعتراف الدبلوماسي أو التمثيلي

الدول الديمقراطية تستمع لمعارضين، وناشطين، وتنظيمات سياسية من مختلف أنحاء العالم، وهذا حق مشروع تحميه قوانين حرية التعبير.
لكن الاستماع لا يساوي الاعتراف، ولا يمنح تلقائياً شرعية تمثيلية.

المشكلة تبدأ حين يُترك المجال لمجموعة ما لتقديم نفسها – دون تصحيح أو تدقيق – باعتبارها “صوت الشعب”، أو حين تُستخدم منصات رسمية أو شبه رسمية لإضفاء انطباع زائف بأنها طرف مفوض أو بديل شرعي للدولة.

ادعاءات خطيرة بلا تفويض: أين الخلل؟

الخطورة في تحركات (صمود) لا تكمن في النقد السياسي، بل في:
• انتحال صفة التمثيل
• تقديم مزاعم جسيمة تمس مؤسسة عسكرية سيادية
• اللجوء إلى هيئات دولية متخصصة بطلبات اتهام دون سند قانوني أو أدلة معترف بها

فالادعاء باستخدام أسلحة كيميائية ليس رأياً سياسياً، بل اتهام دولي خطير، له تبعات قانونية وأمنية وإنسانية، ولا يجوز تقديمه إلا عبر قنوات رسمية أو تقارير مهنية مستقلة ذات مصداقية عالية.

أما أن تقوم مجموعة غير منتخبة، وغير مفوضة، ومحدودة التمثيل، بتقديم مثل هذه الادعاءات، فهو تضليل سياسي يسيء إلى منظومة العدالة الدولية قبل أن يسيء إلى السودان.

هل يخالف ذلك القانون الدولي؟

القانون الدولي لا يجرّم المعارضة، ولا يمنع النشاط السياسي في الخارج.
لكنه في المقابل:
• لا يعترف بادعاءات التمثيل غير المفوض
• ولا يمنح غطاءً قانونياً لمن يقدم معلومات خطيرة بصفة تمثيلية كاذبة
• ولا يلزم الدول أو المؤسسات الدولية بالتعامل مع مجموعات على أنها “ممثلة لشعوبها”

وبعبارة أكثر وضوحاً:
حرية التعبير محمية، لكن حرية الادعاء التمثيلي ليست كذلك.

مسؤولية الدول والمؤسسات الغربية:

الدول الغربية، بحكم التزامها بسيادة القانون، مطالبة بالتمييز بين:
• معارض يتحدث بصفته الشخصية أو الحزبية
• ومجموعة تدّعي تمثيل شعب أو دولة دون تفويض ديمقراطي أو قانوني

السماح باستخدام المنصات الرسمية دون هذا التمييز:
• يخلق انطباعاً سياسياً مضللاً
• ويقوض مفهوم الشرعية الدولية
• ويحوّل المؤسسات الديمقراطية، من حيث لا تقصد، إلى أدوات تضليل

توصيات للحكومة السودانية:

في ضوء ما سبق، يمكن للحكومة السودانية اتخاذ إجراءات قانونية ودبلوماسية مشروعة، من بينها:

1. إصدار إعلان قانوني رسمي
يحدد بوضوح الجهات المخولة بتمثيل الدولة والشعب، وينفي أي صفة تمثيلية عن الكيانات غير المفوضة.
2. تعميم مذكرات دبلوماسية
على الدول والمؤسسات التي تستقبل هذه المجموعات، توضح وضعها القانوني الحقيقي.
3. مخاطبة الهيئات الدولية المتخصصة للتأكيد على أن أي ادعاءات تصدر عن جهات غير رسمية لا تمثل الدولة ولا تستند إلى تفويض.
4. مخ التحرك الإعلامي القانوني المنظم للمطالبة بالوصف الدقيق: “مجموعة معارضة غير منتخبة”، وليسوا “ممثلون للشعب السوداني”.
5. بناء خطاب قانوني خارجي نشط يواجه الادعاء بالتوثيق، والانطباع الخاطئ بالتصحيح المباشر.

خاتمة:

القضية هنا ليست صراعاً بين حكومة ومعارضة، بل مسألة احترام لمفهوم التمثيل في النظام الدولي.
فالديمقراطيات التي تحمي حرية التعبير، هي ذاتها التي تقوم شرعيتها على التفويض لا الادعاء.

والسودان، كدولة ذات سيادة، لا يطالب بإسكات الأصوات، بل يطالب فقط بأمر بديهي:
ألا يتحدث أحد باسمه دون تفويض، وألا تُستخدم الهيئات الدولية منصةً لتصفية صراعات سياسية داخلية بلا سند قانوني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى