رأي

هل من صداقات موثوقة بين الدول في النظام الدولي ؟ 

 

السفير عبد العظيم الشيخ عثمان

تعلمنا من قيادة جيشنا التخطيط في صمت والصبر على الإبتلاء و كتمان الغيظ لا التعامل بردود الأفعال أو الإنكسار تحت الضغوط مهما كبر حجمها وثقل وزنها، ثقة في الله ثم في قدراتها المتاحة

غير أني أكتب هذا المقال – مستصحباً ما أشرت إليه أعلاه ومقراً به – أود التأكيد على بعض القضايا والتي لن يجهلها رجال في قامة و علم و ذكاء أعضاء مجلس السيادة الإنتقالي وتتمثل هذه القضايا في النقاط التالية :

أولاً: إن ميدان القتال الذي نشأوا وتدربوا عليه واتقنوا نهجه حتى صار جزءاً من تركيبتهم الجسدية والنفسية هو ميدان أهم مواصفاته تمايز الصفوف وتحديد الحليف من العدو بما يُمكِّن من رصد المواقف مكاناً وزماناً وتقديرها حجماُ ووزناً للتعامل معها بدقة، وهذا الوضوح في الرؤية لا يوجد مثيله في ميدان العلاقات الدولية وبالتالي فإن ثوابت المعارك العسكرية تقابلها متغيرات المواقف السياسية في النظام الدولي والتي تتبلور فيها مواقف الصداقة والعداوة وفقا لمصالح الدول ولمرحلة زمنية محدودة مما يحتم عدم التعامل معها بعفوية وبراءة مطلقة أو بعدوانية مفرطة.

ثانياً: علينا أن ندرك أن المزاج الشخصي والعواطف الإنسانية قد تكون في ميدان العلاقات الدولية مدخلاً للإستغلال والتغول على حقوق دولة تعبر خلالها أرتال من الأجيال دون أن يمتلكها جيل منهم ناهيك عن فرد، وقد وقع كثير من الحكام فريسة لأريحية تربوا عليها في الفضل و الجود ، فتنازلوا لدول عن مساحات واسعة من الموارد لم تشكرهم عليها أجيال لاحقة من المستفيدين ولم يجد عوضا عنها الخاسرون من أصحاب الحق.

ثالثاً: الأنظمة السياسية تتغير في آيديلوجياتها وسياساتها وتحالفاتها بل من المؤكد في ذوات حكامها ومواقفهم، وبالتالي من المستحيل أن تكون هناك ثوابت في التعامل السياسي فيما بينها كما أن الأمزجة السياسية (إستخدام مصطلح المزاج السياسي بدعة أتيت بها) تعبيراً عن السلوك الطاغي لبعض الأفراد الذين قد يوؤل إليهم الحكم والتي قد تخطيء التقدير في أولويات العلاقات الخارجية، فمثلاً لم يكن ترامب في حكمة ايزنهاور أو كلينتون في أمريكا ومقتضى هذا أن ارتهان موقف سياسي لدولة في عهد ما وفقا لمنطق العلاقات الشخصية ليس أمراً مستحسناً في التعامل السياسي في النظام الدولي، وبناء على ذلك ينبغي أن تحسب القرارات حول السياسات الخارجية بصفة خاصة وفقا للمصلحة المحضة للدولة ولا مكان فيها للمزاج والعلاقات الشخصية، وقد رصد الكثيرون من مفكري العلاقات الدولية الباحثين في مجال الأزمات بين الدول، رصدوا كثيراً من الأزمات نتجت عن أسباب توترات ناجمة عن سوء علاقة شخصية بين حاكمين في دولتي جوار راح ضحيتها آلاف من البشر و في ذلك أمثلة كثيرة في مؤلفات مطبوعة.

هذه المقدمة ضرورية لموضوع مقالي هذا الذي أبسطه للتداول والنقد.

لقد دخلت دولة السودان من قبل في حرب بين جنوبه وشماله وكانت حربا مفتوحة تعاملت معها تيارات سياسية مختلفة من مثقفي الشمال والجنوب معا ولنحصر مقالنا مع حركة تحرير السودان بقيادة قرنق والتي كان بدؤها منذ العام 1983م وقد ورثت الإنقاذ تبعاتها وأبلوا فيها عسكريا بلاءً حسنا فكسبوا بما كسر حدة التمرد ولكن خسروا كل الجنوب سياسياً عبر الحوار !! ؟

وكم من دولة كانت حكومة الإنقاذ وقتها تحسبها رصيداً لها أو هكذا افترضت – لروابط الدين أو اللغة أو الجوار – قد وقفت في الضفة الأخرى من ذلك الصراع، وقد كان مقتضى المعطيات العاطفية أن تقف على الأقل في الحياد وليس بالعكس كما فعلت من دعم بالمال والسلاح للطرف المتمرد و النقيض لموروثها من لغة وعقيدة و…

وقد بني ظن الإنقاذ حينها بسذاجة على حسابات العواطف إثنية كانت أم ايديولوجية، وبالرجوع إلى ملفات تلك الفترة يتبين لنا لغز ينشأ بين مصالح الدول وبين تكوينها الإثني والثقافي والايديولوجي ومن غير تفصيل نجد أن المؤثرات أحيانا على قرارات الدول تأتي من ضغوطات خارجية تقتضيه تلك الشبكة المعقدة في العلاقات الدولية، أو وفق حسابات سياسية، كأن رأت تلك الدول مصلحة لها في المستقبل الناجم عن تفتيت السودان أفضل من بقائه موحدا.

ولعله تستوجب علينا حكمة العمل السياسي أن نعيد قراءة تلك المواقف السياسية من منظور واقع معركة الكرامة منذ نهاية عهد الإنقاذ إلى وقتنا الراهن ونحلل مواقف الدول فيها للإعتبار وتصويب المسار

وقد أشرت في مقالات سابقة أن معركتنا الحالية معركة الكرامة قد شهدت الآن ظاهرة تغيرات إيجابية في مواقف كثير من الدول شملت دولا كانت قد ألقت بكل ثقلها مع التمرد ومنها من اتخذ موقفا رمادياً منه نتيجة لحسابات مصالحها الذاتية أو مصالحها المتشابكة مع أطراف أخرى، أو ربما بعد التأكد من دحر تمرد كانوا قد راهنوا عليه.

وهي تجربة رغم قساوتها إلا أننا يجب أن نتعلم من تلك التقلبات والمواقف الآتي:

أ- لا ينبغي أن نضع كل ثقتنا في دولة ما مهما كان قربها منا جغرافيا أم ثقافياً ونفوضها في شأننا أو ندعها تتبناها نيابة عنا مهما كان الظرف وتعقيداته.

ب- ضرورة الإلتزام و البقاء في الخندق الذي أكد عليه السيد الفريق أول ركن رئيس مجلس السيادة الإنتقالي عبدالفتاح البرهان وهو أن أي مخرجات عن إجتماعات ثنائية أو متعددة الأطراف عقدت في شأن سوداني ولم تكن الخرطوم طرفاُ فيها فهي لا تعني لنا شيئآ أو تهمنا في أمر، وربما قبلنا بعضاً مما تمخض عنها إن كان فيه خير للسودان إذا شئنا.

وبناء على ذلك فإن ما يروج له الإعلام ويطبل له المطبلون من نشاط لدول الجوار مع أي كان في شأن سوداني ينبغي أن يوقف بقرارات تمنع التطبيل أو التعويل عليه والبصم على مخرجاته وذلك تمشيا مع ما أبانه السيد القائد العام أنه يدور بمعزل عن حكومتنا وفي غيابها وفي هذا الصدد أشيد بموقف ولهجة السيد رئيس مجلس السيادة من مقترح المدعو مسعد بولس ورده عليه وهو درس لمن بعده إذا أدلى بدلوه في أمر بلادنا دون تفويض منا أو مشورتنا من غير أن نهتم بمن فوضه مهما كان قدره ووزنه، وهذا معنى السيادة التي يمثلها أعضاء المجلس الإنتقالي العظام.

ج- القوات المسلحة على معرفة وخبرة بكثير من إنواع الإستراتيجيات العسكرية التي تستخدمها الدول الكبرى للتأثير على الدول المستضعفة مثالا لذلك باختصار شديد ممارسة سياسة:

– الإبتزاز .. وتعني مجرد التهديد للحصول على مكاسب أو تنازلات

– التحريض .. ويعني تشجيع الخصوم للدخول في حرب تحقق الدول الكبرى من خلالها أهدافها

– الإستنزاف .. وتعني المساعدة على استدامة الحرب بهدف الإنهاك إقتصاديا و عسكريا

.. وغير ذلك مما هو معلوم

وكل هذا يمكن تنزيله على واقع العمل السياسي في مجال العلاقات الدولية بهدف الإختراق أو الإنهاك والإضعاف للتركيع وفرض الشروط التي تؤدي إلى الهيمنة على الدولة.

وبناء علي ما تقدم فإنه من المؤكد إن مكاسب القوات المسلحة التي تحققت عسكريا على الأرض لم ترض الخصوم – وكما نعلم إنهم كتلة الدول التي شاركت أو تواطأت على إشعال فتيلة الحرب الناجمة عن مؤامرة التمرد الراهنة – فإن هؤلاء الخصوم لن ينقلبوا بين عشية وضحاها – بعد إنكسار وكيلهم المباشر الدعم السريع – إلى صديق حميم ، حام عن الأرض والعرض بل من الأجدر أن تفهم مواقفهم إنه تغيير في الإستراتيجية أو في شكل المعركة أو إعادة ترتيب أوراق مصالحهم وهو ما رأيناه عند قدوم وفد بريطانيا حاملة القلم في مداولاتنا بمجلس الأمن وحضورها إلى “حكومة بورتسودان” تجرجر أذيالها بعد رحلة طويلة من التآمر بدأت بدعم حمدوك لإدخال قوة عسكرية تحت الفصل السابع تستكمل بها احتلال السودان تحت مظلة قحت حتى يتمكن من تنفيذ ما أنيط به من تكاليف منها تفكيك القوات المسلحة وتقسيم السودان الدولة والكثير المعلوم للقاريء.

ولاشك أن العالم ظن أنه قد استوعب ضعفنا في الحوار وسذاجة تفكيرنا وقصر نظرنا من خلال تجربة اتفاقية نيفاشا و التفريط في فصل الجنوب،

ويبدو أنهم سيحاولون تغيير الهيكل السياسي عن الإيغاد وتطويع دول أخرى قريبة إلينا عاطفياً وفتح شهية مطامعها في خيراتنا لبلوغ مآربهم.

وعليه فلابد من الحذر وعدم إبتلاع الطعم وتأكيد أن الوعي القومي والصحوة التي دبت في روح الأمة السودانية من خلال معركة الكرامة قد شكلت بعثاً جديداً لشعب كل تاريخه قام على العزة والكبرياء والقدرة على التمييز بين الغث والسمين من الآراء

كما أنوه على أن الدول الكبرى تلعب من خلال وكلائها في المنطقة أدوارا تتسم بالخبث وتتسلق عليهم لبلوغ أهدافها وقد وضح جليا أن دول المنطقة جاهزة لأداء الدور المناط بهم وهي شاكرة على التكليف لأنها تنتظر الكثير من اللوبي اليهودي العالمي وخاصة الأمريكي الذي لها بمثابة الأب والراعي في الحفاظ على عروشها في ظل النظم القائمة.

رابعاً: الحرب على الموارد ..

لا شك أن الصراع الناشيء الآن والمتمدد نحو حرب عالمية ثالثة قد ظهر جليا أنها حرب موارد أطيح فيها برئيس دولة ذات سيادة هي فنزويلا وأبدل بعميلة مكانه من أجل مورد بترولها عيانا بيانا وبكل وضوح وسفور في الهدف من هذا التدخل الجريء،

وكما تم في نفس السياسة تهديد حلفاء الأمس في أوروبا باقتطاع الغرين لاند من الدنمارك من أجل الموقع الجيوسياسي والموارد معا بما وصفه زعيم بريطاني بالابتزاز والصلف الأمريكي الترمبي.

وما زالت الحرب الأوكرانية مستعرة بسبب الموارد وما أوردته مثال لقطبي الأمس.

وبالتأكيد السودان ذو الموقع المتفرد جيوسياسياً وجيوإستراتيجياً والأرض البكر ظاهرها وباطنها وما حوتاه موضع لصراع موارد نستشعره وقد يكون الهجوم علي تلك الموارد بما نحن عليه الآن عبر عميل داخلي ودويلة حسبناها صديقاً ردحاً من الزمان وبتخطيط حكومة العالم الصهيوماسوني والتي لن يهدأ لها بال حتى تضع يدها علي مواردنا، وكما برر ترمب لحلفائه أن الغرين لاند إن لم تكن من نصيبه فستكون من نصيب الصين أو روسيا في إشارة إلى طبيعة وقوى الصراع حسب فهمه ورؤيته لمكامن القوة المادية الراهن وأطرافها الفاعلين.

خامساً: بوادر التحالفات الإقليمية ..

من الواضح بعد أن قلب ترمب ظهر المجن على حلفائه القدامى في الناتو (مختصر ترجمة لحلف شمال الأطلسي) وأيضاً بهجومه السافر على فنزويلا وإعتقاله رئيسها من فراش نومه سارعت بعض الدول التي كانت تعتمد على أمريكا في حمايتها إلى عقد تحالفات إقليمية وبدأت ملامح تغير أشكال تلك التحالفات القديمة.

وعلى كل من المتفق عليه أن النظام الدولي متعدد القوى تكون التحالفات فيه هشة ضعيفة وغالباً ما تكون مرحلية لدفع عدو متوقع أو إضعاف دولة لموقعها ومواردها وتقاسم خيراتها من قبل الآخرين، وبما أن العالم لم يتبلور بعد عن عدة قوي متوازنة فإن أشكال التحالفات لم تظهر بصورة واضحة الآن وما يبدو من تقارب سعودي باكستاني مقابل إماراتي هندي فكلها مجموعات من الدول التي مازالت رهينة لقوى الغرب بقيادة امريكا

وكذلك ما رشح من إحتمال تكوين جبهة تضم السعودية، مصر وتركيا مقابل إسرائيل مع الإمارات والصومال لاند كل هذا الحراك السياسي المرتبك عبارة عن تحركات وقائية تحسباً لرد فعل ضد فعل قوي متوقع

كما أنه يشير إلى اهتزاز الثقة في الضامن القديم غير أن صياغة حلف ثابت في المنطقة ما زال أمرا تحت التكوين والدراسة خاصة كل مارشح من تكهنات قد أهمل دولة إيران وهي قوة مهمة في المنطقة .

كل ما سبق ذكره والإشارة اليه يقتضي منا بذل مزيد من الجهد لحسم فلول التمرد المتبقية ثم وضع الخطط اللازمة للإستفادة من مواردنا وحمايتها بتحالفات إستراتيجية أكثر استقرارا تحسب بدقة متناهية توثق عراها مواردنا الكامنة وشكيمة رجال جندها.

إن ما كتب أعلاه وحواه هذا المقال يستلزم جبهة داخلية متماسكة لا يمكن اختراقها واعية يستحيل تضليلها واسعة الأفق لا تنظر تحت أقدامها شديدة المراس قوية العزيمة جادة السعي وهو القاعدة الضرورية التي تقوم عليها ركيزة العلاقات الدولية، وأرجو أن أفرد مقالا لذلك.

وقبل أن أختم مقالي هذا اقترح على مجلس السيادة الإنتقالي تكوين جسم إستشاري سياسي من بعض السفراء المميزين لتقديم دراسات تبنى عليها قراراتهم المتعلقه بالحركة في مساحات العلاقات الدولية وتوازنات القوى الإقليمية أو الدولية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى