العودة الطوعية في السودان: من الإغاثة إلى التنمية

نعمان يوسف محمد **
في ظل الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت قضية عودة النازحين واللاجئين واحدة من أهم التحديات الوطنية. فالمسألة لم تعد مجرد توفير وسائل نقل أو مساعدات غذائية للعائدين، بل تحولت إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إعادة بناء المجتمعات المحلية والاقتصاد في مناطق العودة.
ومن هنا تبرز أهمية التفكير في إنشاء مجلس أعلى لدعم العودة الطوعية والتحول من الإغاثة إلى التمويل التنموي كخطوة استراتيجية في مسار التعافي الوطني.
خلال مراحل النزوح، لعبت المساعدات الإنسانية دوراً حاسماً في إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة، ولا يمكن التقليل من أهميتها. لكن التجارب الدولية تظهر أن الإغاثة، مهما طال أمدها، لا يمكن أن تكون بديلا عن التنمية. فالاعتماد المستمر على المساعدات يخلق اقتصاداً هشاً قائما على الاستهلاك لا الإنتاج، ويجعل المجتمعات عرضة للعودة إلى دائرة الفقر والنزوح مرة أخرى.
العودة المستدامة تتطلب أكثر من مجرد استقرار أمني نسبي؛ فهي تحتاج إلى فرص عمل، وتمويل إنتاجي، وخدمات أساسية، وتنظيم اقتصادي محلي. وهنا يأتي دور التمويل التنموي، خاصة التمويل الأصغر والتعاوني والجماعي، في تمكين الأسر العائدة من استعادة مصادر دخلها والانخراط مجددا في النشاط الاقتصادي. فعندما يتحول العائد من متلقٍ للمساعدة إلى منتج، تبدأ دورة التعافي الحقيقي.
بالتالي، إنشاء مجلس أعلى معني بالعودة الطوعية يمكن أن يشكل منصة وطنية لتنسيق الجهود بين الحكومة والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية. فغياب جهة مركزية تقود هذا الملف قد يؤدي إلى تشتت البرامج وتكرارها في بعض المناطق وغيابها في مناطق أخرى، بينما وجود مؤسسة عليا ذات رؤية استراتيجية من شأنه أن يساعد على توجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية وربط العودة بإعادة الإعمار والتنمية المحلية.
اقتصاديا، يمكن لبرامج العودة المرتبطة بالتمويل التنموي أن تعيد تنشيط الإنتاج الزراعي والحرفي والتجاري في مناطق واسعة من البلاد، وتساهم في خلق فرص عمل وتقليل الاعتماد على المعونات. كما أن إعادة تشغيل الاقتصاد المحلي تعني استعادة الأسواق الريفية ودعم سلاسل القيمة الإنتاجية التي تضررت بسبب النزوح.
اجتماعيا، فإن العودة المنظمة والمدعومة اقتصاديا تسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي وإعادة بناء الثقة داخل المجتمعات المحلية. فوجود فرص اقتصادية يقلل من التنافس على الموارد المحدودة ويعزز التماسك الاجتماعي، كما يساعد على إعادة دمج العائدين بصورة طبيعية ومستقرة.
أما بيئيا، فإن ربط برامج العودة بإعادة تأهيل الأراضي الزراعية وتشجيع المشروعات المستدامة يمكن أن يحول عملية التعافي إلى فرصة لتحسين إدارة الموارد الطبيعية وتقليل الضغوط البيئية التي نتجت عن النزوح والتجمعات السكانية المؤقتة.
في النهاية، نجاح العودة الطوعية لن يقاس فقط بعدد العائدين إلى مناطقهم، بل بقدرتهم على بناء حياة مستقرة ومنتجة. ومن هذا المنظور، فإن إنشاء مجلس أعلى لدعم العودة والتحول إلى التمويل التنموي يمثل خطوة ضرورية لتحويل العودة من استجابة إنسانية مؤقتة إلى مشروع وطني للتنمية والاستقرار وإعادة البناء.
** مستشار التطوير المؤسسي والتمويل الأصغر



