رأي

عام الاستدامة المائية في أفريقيا 2026: من الدبلوماسية السودانية إلى إعادة بناء قطاع المياه (2-2)

د. عمار أبكر عبد الله **

أظهر إعلان عام الاستدامة المائية في أفريقيا 2026، إلى جانب مبادرة «Mission Water» التي تقودها مجموعة البنك الدولي، أن المياه لم تعد تُقارَب بوصفها ملفًا خدميًا أو تقنيًا، بل كمدخل سيادي وتنموي قادر على دعم الاستقرار وإعادة البناء في الدول الخارجة من النزاعات. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التحولات القارية والدولية لا تكمن في الإعلان عنها بحد ذاته، وإنما في قدرة الدول على ترجمتها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ. وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول كيفية توظيف السودان لهذه اللحظة، ليس فقط عبر الأدوات الفنية، بل من خلال الدبلوماسية الرسمية بوصفها رافعة لإعادة بناء قطاع المياه وربطه بمسار التعافي القومي وبناء السلام.

الدبلوماسية السودانية وإعادة التموضع:

في هذا الإطار، جاءت كلمة معالي وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني أمام الجلسة التشاورية لمجلس السلم والأمن الأفريقي بتاريخ 12 فبراير 2026 لتؤكد أن السودان بدأ فعليًا الانتقال من إدارة الحرب إلى مسار إعادة الإعمار وبناء السلام ضمن الإطار الأفريقي. وقد حملت الكلمة رسالة سياسية واضحة مفادها أن تعليق عضوية السودان لم يمنع اندلاع الحرب، بل أسهم في إضعاف القدرة القارية على التأثير الوقائي، وحرم الاتحاد الأفريقي من أدوات الفعل المبكر والدعم البنّاء.

وأكد الوزير أن السودان، بوصفه دولة مؤسسة للاتحاد الأفريقي، ظلّ منفتحًا على الحلول الأفريقية، ومتعاونًا مع الجهود الإقليمية والدولية رغم ظروف الحرب، مشيرًا إلى عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة القومية وانتظام العمل في دواوينها، بما يعكس بداية مرحلة جديدة تتطلب مرافقة أفريقية داعمة بدل الإقصاء السياسي. وتمثّل هذه الرسائل، في جوهرها، محاولة لإعادة تموضع السودان داخل الفضاء الأفريقي من بوابة التعافي وإعادة البناء.

لماذا يُعدّ قطاع المياه المدخل الأذكى؟

يتقاطع هذا الخطاب الدبلوماسي مع إعلان عام الاستدامة المائية 2026 ومبادرة «Mission Water»، ليبرز قطاع المياه بوصفه أحد أكثر القطاعات قدرة على ترجمة الدبلوماسية إلى أثر ملموس. فالمياه تمسّ مباشرة حياة المواطنين، والصحة العامة، والإنتاج الزراعي، وفرص العمل، والاستقرار المجتمعي، ما يجعلها نقطة التقاء نادرة بين البعد الإنساني والاقتصادي والسياسي.

ويمثّل قطاع المياه والري والصرف الصحي العمود الفقري لأي عملية تعافٍ اقتصادي واجتماعي في السودان، لا سيما في ظل النزوح الواسع، وتضرر البنية التحتية، وتراجع الخدمات الأساسية. كما أن الاستثمار في هذا القطاع يتيح تحقيق أثر سريع وقابل للقياس، مع بناء أساس مستدام للتنمية طويلة الأجل.

ماذا يعني عام الاستدامة المائية عمليًا للسودان؟

أولًا: إعادة ترتيب الأولويات القطاعية وفق منهجية تجمع بين التدخلات السريعة ذات الأثر المباشر، والاستثمارات المستدامة. ويشمل ذلك استعادة تشغيل محطات مياه المدن المتضررة، وتأمين الإمداد للمرافق الصحية والتعليمية، وتقليل الفاقد المائي، إلى جانب التوسع في التخزين وحصاد المياه وربط نظم الإمداد بالطاقة المتجددة حيثما أمكن.

ثانيًا: تحديث السياسات والتشريعات عبر الانتقال من منطق الطوارئ والإدارة بالإسعاف إلى حوكمة قطاعية مستقرة، تقوم على فصل الأدوار بين التنظيم والتشغيل والتمويل، واعتماد تعرفة تدريجية عادلة مع دعم موجّه للفئات الهشة، وتطبيق نظم مشتريات شفافة تعزّز ثقة الشركاء والممولين.

ثالثًا: توظيف الرصيد القومي والخبرة التاريخية في مجالات الري والسدود وحصاد المياه. ففي الري المركزي، يتطلب الأمر تحديث نظم الإدارة والتشغيل والصيانة، وتعزيز دور اتحادات المزارعين وتحسين كفاءة التوزيع والقياس. وفي الري اللامركزي، تبرز أهمية دعم المزارعين بحزم تمويل صغيرة لمضخات كفؤة وطاقة شمسية ونظم ري حديثة. أما في مجال السدود، فتبرز ضرورة تعزيز سلامة السدود وإدارة مخاطر الفيضانات والجفاف عبر أنظمة إنذار مبكر وتشغيل مرن للخزانات. وفي الريف، تظل تقنيات حصاد المياه من أسرع التدخلات أثرًا، خاصة عند ربطها بحزم المياه والإصحاح البيئي والنظافة الصحية (WASH) في القرى المستضيفة للنازحين.

المدخل المؤسسي .. من النوايا إلى البرامج:

لكي يستفيد السودان عمليًا من عام الاستدامة المائية ومبادرة «Mission Water»، لا بد من تحرك مؤسسي منظم عبر لجنة قومية عليا مشتركة تضم وزارات الخارجية، والري والزراعة، والمالية والتخطيط الاقتصادي، والشؤون الإنسانية والتعاون الدولي، مع إشراك الخبراء والجامعات والمجتمع المدني.

وتتمثل مهام هذه اللجنة في إعداد الميثاق المائي القومي للسودان (Sudan Water Compact)، وتأسيس مرفق قومي لإعداد المشاريع، وبناء سلة مشاريع واضحة الأولويات وقابلة للتنفيذ والتمويل خلال أطر زمنية محددة، وربط إعادة إعمار المياه بملفات الزراعة والصحة والتوظيف وبناء السلام، بما يعزز التكامل القطاعي ويزيد من فرص التمويل والدعم الدولي.

الخلاصة: اختبار الإرادة المؤسسية

إن عام الاستدامة المائية في أفريقيا 2026 لا يمثل فرصة تقنية عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السودان على تحويل الدبلوماسية إلى تنمية، والخطاب السياسي إلى برامج قابلة للتنفيذ وتحظى بثقة الشركاء. فالسؤال لم يعد: هل يمتلك السودان الموارد أو الخبرات؟ بل أصبح: هل يمتلك الإرادة المؤسسية لتوظيف هذه اللحظة القارية والدولية؟

فإن أحسن السودان تنسيق أدواته الدبلوماسية والفنية والمالية، يمكن لهذه اللحظة أن تكون بوابة لإعادة تموضع قطاع المياه، ومدخلًا أوسع لإعادة الإعمار، وبناء السلام، واستعادة موقعه الطبيعي داخل أفريقيا.

** مختص وباحث في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية
[9:30 pm, 16/2/2026] العبيد مروح: .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى