كمبالا… يوم صعد الفشَلة إلى المنصّة وتوهّموا أنهم يخاطبون جالية

مهند عوض محمود
نستقبل هذا الشهر المبارك، رمضان الكريم، بقلوبٍ ترفع الدعاء للسودان قبل أن ترفعه لأنفسها؛ أن يمنح الله شعبنا النصر والأمن والطمأنينة والرفعة، وأن يُنزِل شهداء الوطن منازلهم في جنّاتٍ عرضها السماوات والأرض، وأن يشفي جرحانا شفاءً كاملاً، وأن يعيد المفقودين والأسرى إلى حضن الوطن سالمين ؛ وهذا الشهر يصادف الذكرى الثالثة لبداية تلك الحرب اللعينة؛ الحرب التي – رغم قسوتها وجراحها – يراها السودانيون حرب كرامة فُرضت عليهم، فوقفوا لها دفاعاً عن الدولة وعن الكرامة الوطنية التي لا تُساوَم.
وفي خضم هذا المناخ المثقل بالوجع، خرج إلى العلن مقطع مصوّر من مدينة كمبالا ….
مقطع أثار موجة واسعة من السخرية والغضب؛ لأنه لم يُظهر “لقاء جالية سودانية” كما ادّعى منظّموه، بل مشهداً داخل قاعة صغيرة في أحد الفنادق، حضرها نفرٌ قليل يجلسون في الصفوف الأمامية، يصفّقون لكل كلمة، ويهتفون خلف كل جملة، في صورة أقرب إلى فرقة تشجيعٍ مدفوعة الأجر منها إلى جالية تمثّل السودانيين.
كانت الهتافات مصنوعة، والحماسة مُعلَّبة، والتصفيق يتمّ وفق السعر لا القناعة؛ فمن حمل السلاح من أجل حفنة دولارات، لن يبخل بالهتاف مقابل ورقتين من فئة المئة دولار، ولا يُستغرب أن المليشيا الإرهابية التي اشترت رجالاً للقتال يمكن ان تشتري من يصفق لها؛ فالذي يباع للتصفيق أرخص ممن يباع للرصاص.
جلس بين الحضور مبروك مبارك سليم، الرجل الذي اعتاد الظهور في كل عهد ولكل جهة، حضورٌ يكفي وحده ليقول إن اللقاء لا يمثّل الجالية ولا يشبّهها، بل يمثّل زفّة سياسية تبحث عن أي معنى فلا تجد.
وعلى هذه الخلفية الباهتة، بدأ العرض.
صعد أول المتحدثين:
محمد حسن التعايشي.
قدّم خطاباً يشبه بياناً نظرياً لا صلة له بواقع وطنٍ يحترق ؛ لغة مُحشوة بالمصطلحات، مُشبعة بالتنظير، تُحاول تغليف الفشل بسرديات مرتّبة لا تحمل في جوهرها سوى فراغٍ سياسي.
تحدث عن “الرؤى” و“المسارات” و“التصوّرات”، بينما الحضور أمامه يبحثون عن نهاية الخطاب أكثر مما يبحثون عن بدايته.
كان واضحاً أن التعايشي لا يخاطب الحضور، بل يخاطب مرآةً سياسية يحاول ترميمها بعد أن تحطّمت؛ فالبلاغة حين تُستخدم للهروب، لا تُخفي شيئاً… بل تفضح كل شيء.
ثم صعد ثاني المتحدثين:
عبد العزيز آدم الحلو.
الرجل الذي طالما رفع شعار “السودان الجديد”، بدا اليوم جزءاً من ديكور سياسي مشوّه.
خطابه متردّد، كلماته باهتة، وصمته بين الجمل أكثر بلاغة من حديثه.
كان من الواضح أن المشروع الذي حمله لسنوات تلاشى قبل أن يكتمل، وأن منصة كمبالا ليست مكاناً لاستعادة ما ضاع؛ بل مكاناً لإعلان السقوط في صمت، تحت إضاءة كاميرا لا ترحم.
ثم جاءت اللحظة الأكثر عبثاً…
وصعد ثالث المتحدثين:
محمد حمدان دقلو، قائد المليشيا الإرهابية التي دمّرت السودان، وشرّدت أهله ، ومزّقت قلب الدولة.
وقف بثقة لا تشبه إلا وقاحة من لا يرى جرائمه.
تحدّث عن “السلام” وكأن الدمار لم يخرج من تحت يديه.
تحدّث عن “الوطن” كأن المدن التي سقطت لم تسقط بفعل إرهاب مليشيته.
تحدّث عن “المستقبل” وكأن الحاضر الذي أحرقه ليس من صنيعه.
مشهد يصلح للكوميديا السوداء:
رجل أشعل النار… يصعد ليبيع الماء.
أما ما قيل داخل القاعة فكان غبار كلمات:
شعارات عن “حل سياسي” بلا أدوات،
حديث عن “بديل وطني” بلا بديل،
ووعود عن “رؤية وطنية” بلا أي أساس.
قالوا “جالية” ولم توجد جالية.
قالوا “مشروع” ولم يوجد مشروع.
قالوا “بديل” ولم يوجد إلا فشلٌ يُعاد تدويره.
ومع ذلك، كان للفيديو فائدة واحدة…
أنه كشف كل شيء.
كشف أن من صعدوا المنصّة يعيشون خارج زمن السودان،
وأن الجالية السودانية أكبر وأطهر من أن تُختزل في نفرٍ يصفق بالقطعة،
وأن الخراب لا يُعاد طلاؤه بخطاب مهما طال،
وأن السودان لا يُدار من فندق في أوغندا، ولا بوجوه كانت جزءاً من نكبته.
وما جرى في كمبالا لم يكن لقاء جالية، بل كان جريمة في حق الوعي السوداني.
الفشلة الذين صعدوا المنصّة لا يمثلون هذا الشعب، ولا يملكون شرعية الحديث باسمه، ولا يستطيعون غسل تاريخهم في فيديو متداول.
فالسودان أكبر من منصّتهم، وأشرف من خطاباتهم، وأطهر من أن يُنادى باسمه قائد مليشيا إرهابية.
كمبالا لم تقدّم بديلاً… بل كشفت سقوطاً.
وستبقى شاهدة على لحظةٍ توهّم فيها الفشلة أنهم قيادة…
وتوهّم الخراب أنه يستطيع ارتداء بدلة سياسية.



