التمويل التشاركي… رافعة حقيقية لإحياء الاقتصاد الإنتاجي في السودان

نعمان يوسف محمد
يواجه اقتصاد السودان تحديات غير مسبوقة نتيجة الحرب التي أدت إلى إنكماش النشاط الإنتاجي، وضعف السيولة المصرفية، وتعطل مؤسسات التمويل التقليدي. وأدى ذلك بدوره لتوقف عشرات الآلاف من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مما أدى لفقدان رأس المال وانعدام مصادر الدخل المعتادة، ما دفع الجميع للبحث عن فرص استثمار آمنة، تراعي قدراتهم المالية المحدودة وظروف النزوح، وتتكيف مع ارتفاع نسب الإعالة على المغتربين، الذين غالبا ما تفتقر مدخراتهم لتشغيل حتى مشروع متناهي الصغر.
في هذه البيئة الهشة، يصبح الاعتماد على أدوات التمويل التقليدية غير كافٍ، وتبرز الحاجة إلى آليات مبتكرة تعبئ الموارد المجتمعية بسرعة ومرونة. التمويل التشاركي (الجماعي) هو إحدى هذه الآليات، إذ يحول المجتمع من متفرج إلى شريك فاعل في التنمية، ويتيح تمويل مشروعات إنتاجية حقيقية بطريقة شفافة ومرنة.
التمويل التشاركي: الاستثمار الجماعي للمشروعات الكبيرة
على عكس المفهوم الشائع، التمويل التشاركي (الجماعي) الذي نقترحه في السودان لا يستهدف المشروعات الصغيرة أو متناهية الصغر، بل يركز على مشروعات إنتاجية كبيرة وموثوقة، من أبرزها صادرات اللحوم، صادرات المحاصيل النقدية كالقطن والبصل والعدسية وزيت التبلدي وفول الصويا، إضافة إلى وكالات شركات الاتصالات لتوزيع رصيد الدفع المقدم.
يتم التمويل عبر شركات راسخة مالياُ وموثوقة، تدير منصات إلكترونية شفافة، وتعمل بموجب النظم القانونية السودانية، بما يشمل قانون الشركات، قانون الاستثمار، وقوانين بنك السودان المركزي واللوائح المنظمة. تعتمد هذه الآلية على الصيغ الإسلامية مثل المضاربة المقيدة والمشاركة محددة المدة، مع إمكانية صرف الأرباح شهريا للمستثمرين بمعدل تأشيري يتراوح بين 5–8%، ما يجعلها مناسبة للمستثمرين الباحثين عن أمان نسبي وعوائد ثابتة.
أهمية التمويل التشاركي للراهن السوداني
يمثل التمويل التشاركي (الجماعي) أداة حيوية لإعادة تنشيط الاقتصاد الإنتاجي في السودان. فهو قادر على تعبئة الموارد المجتمعية والشتات لدعم مشروعات حقيقية، وتوزيع المخاطر على عدد واسع من المستثمرين، بما يخفف أثر أي تراجع على الفرد الواحد. كما يعزز التمويل التشاركي (الجماعي) الأمن الغذائي من خلال دعم الإنتاج المحلي، ويتيح تدفق عملات أجنبية عبر قنوات رسمية، ما يخفف الضغط على الجهاز المصرفي.
الدروس المستفادة من التجارب الدولية والمحلية:
التجارب الدولية في السعودية ومصر وأفريقيا مثل الصومال أظهرت قدرة التمويل التشاركي (الجماعي) على النجاح حتى في بيئات مصرفية هشة، شريطة وجود إطار تنظيمي واضح وبنية رقمية متكاملة. أما التجارب السودانية السابقة، مثل وكلاء شركات الاتصالات ومشروعات تصدير اللحوم والزراعة بنظام الري المحوري، فقد أثبتت جدوى التمويل التشاركي (الجماعي)، إلا أنها توقفت بسبب الحرب وتعطل سلاسل الإمداد وإغلاق الطرق، ما يؤكد أن التمويل وحده لا يكفي دون إدارة المخاطر وحماية رأس المال وتنويع القنوات.
التنظيم القانوني والرقابي شرط أساسي:
لضمان نجاح التمويل التشاركي (الجماعي) واستدامته، يجب أن يكون هناك إطار قانوني واضح يشمل الجهات الرقابية والبنك المركزي، مع وجود وحدة رقابية متخصصة لمتابعة المنصات والشركات. كما يتطلب الأمر تسهيل تحويلات المغتربين للاستثمار الإنتاجي، وإنشاء صندوق ضمان جزئي لتقليل المخاطر، وربط التمويل ببرامج الأمن الغذائي لضمان أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
الشفافية والحوكمة: مفتاح ثقة المستثمر
التمويل التشاركي (الجماعي) يعتمد بشكل أساسي على الشفافية والمساءلة، من خلال تقارير مالية دورية، ومنصات رقمية توفر متابعة لحظية لأداء المشروعات. هذا يعزز الثقة بين المستثمرين والشركات، ويحول المجتمع إلى شريك فعلي في التنمية الاقتصادية.
الخلاصة:
التمويل التشاركي (الجماعي) في السودان ليس فكرة جديدة، بل تطوير لممارسات مجتمعية ناجحة موجودة مسبقا، نجاحه المستقبلي يعتمد على الالتزام بالقوانين، إدارة المخاطر، الشفافية، التركيز على الإنتاج الحقيقي وإشراك المجتمع والشتات كممولين وشركاء. إذا تحققت هذه الشروط، يمكن للتمويل التشاركي (الجماعي) أن يكون رافعة قوية لإعادة بناء الاقتصاد الإنتاجي، دعم الأمن الغذائي وتحقيق التعافي الاقتصادي والاجتماعي في السودان.



