رأي

معركة الزلاقة العالمية الكبرى.. السودانيون وبقاء الأندلس

عارف محمد حمدان

الزلاقة (بتشديد اللام) هي واحدة من أكبر وأخلد المعارك في تاريخ الإسلام والعالم .. وهي من أكبر عشر معارك وقعت في رمضان ووطدت دعائم الاسلام في العالم وحافظت علي دولة الأندلس في شبه الجزيرة الايبيرية لأكثر من (400) عام.. وكان للسودانيين القدح المعلى في تحقيق الانتصار في هذه المعركة الخالدة إذ كان أداؤهم مدهشاً وسالباً لألباب مخططي الحروب في ذلك العصر..وهو دور نسيه الكثير من المؤرخين وغاب عنا كسودانيين في كل مناهجنا ومؤسساتنا العلمية ..
وهذه بمثابة دعوة للباحثين لجمع المعلومات عن دور السودانيين في معركة الزلاقة وخاصة من أولئك الذين يتواجدون في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومورتانيا أو في الجامعات الإسبانية والأوروبية.

في التاسع من رمضان عام 479 هجرية .. نهاية أكتوبر عام 1086، وقعت معركة الزلاقة الخالدة والعظيمة على مقربة من سهل بطليوس في منطقة ساغراخاس بجزيرة أيبيريا (إسبانيا والبرتقال) وهذا السهل عرف بسهل الزلاقة .. ولكن المؤرخين يؤكدون أن تسمية الزلاقة جاءت من (كثرة الدماء التي سالت حتى تحول السهل إلى منزلق حيث كان المقاتلون ينزلقون ويسقطون بسبب الدماء المتدفقة خاصة من جنود أوروبا بعد مشاركة السودانيين الحاسمة)…حسب وصف كثير من مؤرخي العصور الوسطى خاصة في أوروبا وأشار إليه “وول ديورانت” فيما بعد..

التاريخ الأندلسي في هذه الفترة كان قاتماً جداً بسبب الصراعات والخلافات والتنافس والاستعانة بالأمراء الأوروبيين من ملوك الطوائف الأندلسيين على بعضهم البعض حتى كاد إبداع أهل الأندلس أن يندثر ويتلاشى منذ أيام المؤسس عبد الرحمن الداخل ..وهو واقع صوره أستاذنا العظيم المبجل (ابن رشد) فيما بعد بحزن كبير.

في تلك الفترة كانت دولة المرابطين في المغرب العربي دولة قوية وذات أثر تاريخي مهم في تاريخ الممالك الإسلامية وكان يقودها المجاهد الكبير (يوسف بن تاشفين).. فقرر مجموعة من أمراء الأندلس بقيادة (المعتمد بن عباد) – صاحب اشبيلية – الاستعانة بقوات دولة المرابطين للحفاظ علي الأندلس، فقرر يوسف بن تاشفين الاستجابة لهم وبدا زحفه المقدس نحو الأندلس.

كانت الجيوش الأوروبية قد بدأت تتجمع بأعداد ضخمة بقيادة محارب كبير هو (الفونسو السادس) ملك قشتالة وليون وهما من أكبر دول أوروبا في ذلك العصر، إذ كان قد سيطر على مجموعة من الدويلات الأندلسية علي رأسها طليطلة، كما أن المناطق بدأت بالتسليم أو التعاون معه خوفاً من بطشه.

توالت الرسائل من قبل أهل الاندلس علي يوسف بن تاشفين مطالبة بالنجدة ودبت في العالم الإسلامي روح الجهاد وأعلنت الدعوات للجهاد وبدأ الناس يتوافدون من عدة مناطق وإمارات، وتحول الأمر إلى مد اجتماعي كبير أشبه بتيار شعبي جارف، ومن ضمن تلك الشعوب الإسلامية التي تحركت كان الشعب السوداني بمقاتليه المعروفين بـ(رماة الحدق) وكانوا نواة الانتصار الإسلامي الكبير وبقاء دولة الأندلس لأكثر من 400 عام… وسبحان الله لم تكن في السودان آنذاك دولة مركزية تنظم حراك الناس، ولكن السودانيين تحركوا بصورة فردية غير منظمة،
(وهو حراك شعبي تلقائي ظل يلازمنا حتي اليوم والأغرب أنه يحدث حتى عند الحرب واشتداد الأزمة…. شئ يحتاج إلى دراسة ووقفة علمية) أو ماعرف في واقعنا بالنفير…!!

تجمعت الجيوش الإسلامية بقيادة يوسف بن تاشفين وعبرت مضيق جبل طارق وانضمت إليها بقايا جيوش الأندلس بقيادة (المعتمد بن عياد) و (المتوكل بن الأفطس) و (عبدالله بن بلقين) حيث وصل تعداد جيش المسلمين الي حوالي (40 ألف مقاتل) من ضمنهم ثلاثة آلاف وفي بعض الروايات أربعة آلاف من السودانيين، وصلت سهل ( الزلاقة)..حسب كتابات المرجع التاريخي (ابن عذاري المراكشي) صاحب السفر الضخم …(البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب )،

وفي المقابل تجمعت جيوش أوروبا الضخمة بقيادة الفونسو السادس، و البان هانس، وسانشو راميريث، وغيرهم ووصل تعداد جيشهم إلى حوالي (127 ألف مقاتل وفي بعض الروايات الي 135 ألف) وبدأوا زحفهم نحو سهل الزلاقة لإبادة المسلمين وإنهاء دولة الأندلس وتحرير أوروبا ..كما ردد الفونسو في نداءاته للمواطنيين الأوروبيين ورجالات الكنيسة.

الزلاقة سهل منبسط بين مجموعة من مرتفعات الجزيرة الايبيرية التي تضم إسبانيا والبرتقال الحاليتين وبعض الجذر الصغيرة …
لن نذكر تفاصيل المعركة لأن هذا ليس مكانها .. لكن ما لفت نظر الكثير من مؤرخي تلك الفترة وجود مجموعة من المقاتلين السمر عددهم قرابة (4000) آلاف مقاتل على رأس الجبل وليس معهم الأسلحة المنتشرة في تلك الحقبة التاريخية وسأل عنهم الفونسو جواسيسه فقالوا له بكل عنصرية : هؤلاء مجموعة من فقراء المسلمين ..ويبدو أن يوسف بن تاشفين يريد الاستعانة بهم لتهريبه من قطع رأسه بعد المعركة.

ماهو الدور الذي لعبه رماة الحدق السودانيين وأدى لانتصار المسلمين الكبير في واحدة من أعظم معارك الاسلام :
..(هنا لابد من الاشارة إلى أنواع الأسلحة في أوروبا والمغرب العربي آنذاك، إذ كانت تتشكل من السيوف والمطارد والرماح القصيرة والمنجنيق والتروس والمزارق الطويلة ذات الرؤوس الحديدية والدروع اللمطية المصنوعة من جلود الظباء والخناجر القصيرة والقسي البعيدة الرمي….إلخ)

إذن هذه هي أسلحة المعركة، فما الذي ميز رماة الحدق السودانيين ؟؟
.. تميزوا بمهارة التصويب من الرماح وبالدقة والأخطر المهارة الرائعة ..الصبر الشديد.. ودقة التوقيت في العيون مباشرة وكانت أي ضربة منهم تخرج المقاتل من المعركة .. ( وهل ينسى التاريخ أن سيدنا عبد الله بن أبي السرح قد وقع اتفاقية البقط بسبب الخسائر التي سببها رماة الحدق ..كما يقول بعض المؤرخين) .. وكان مما ساعدهم في حسم معركة الزلاقة استهانة ألفونسو بهم وهو ما أدركه القائد العظيم يوسف بن تاشفين بفطرته ولعب على هذا الوتر بصورة رائعة تشابه خطط مدربي كرة القدم المعاصرين الذين ينتهزون أي فرصة لإحراز الأهداف وهو مانجح فيه ابن تاشفين، كما يقول: العلامة بروفسور السنوسي وزير الاوقاف المغربي في حوار لي معه عبر الاذاعة السودانية وقناة الخرطوم الفضائية..

وفعلاً كان ألفونسو قد استهان بالسودانيين أعلى قمة التل ولم يعرهم اهتماما فكانوا نعم الأبطال الذين خلدوا الأندلس وساهموا في بقائها واستقرارها تاريخاً وحضارة للإسلام في أوروبا.

قبل المعركة بأيام اتفق القائدان بطلب من ألفونسو أن تكون المعركة يوم الأثنين وكان يتفاخر بذلك ويقول إنه هو من يحدد بداية ونهاية المعركة متفاخراً بجيشه الضخم وسلاحه النوعي.. فوافق يوسف بن تاشفين متوكلاً على الله…
ولكن ألفونسو كان يخطط لشئ آخر هو مباغتة المسلمين أثناء صلاة الجمعة يوم التاسع من رمضان عام 479 هجرية ..ولم يفت هذا على المسلمين إذ سرعان ماردوا علي الهجوم بضربات من رماة الحدق السودانيين الذي لم يصعدوا التل بعد، وأدرك ابن تاشفين أن الفونسو كان يسعي للخديعة… كما أن ابن تاشفين أدرك أن هؤلاء السودانيين هم سلاحه النوعي الحقيقي فأحسن استخدامه وكسب الرهان كما يقولون….
وسرعان ماعاد الجيش الإسلامي إلى مواقعه .. وصعد رماة الحدق من أبناء السودان إلى أعلى التل، وطلب منهم يوسف أن لا يشاركوا في المعركة إلا إذا طلب منهم ذلك، واستمرت المعركة من صلاة الجمعة حتي المساء، ثم استعر أوارها وبدأ النصر يلوح في الافق للمسلمين…
…(هنا لابد من وقفة تاريخية وهي أن رماة الحدق السودانيين لم يتركوا أماكنهم أعلى التل …إذ تمتعوا بميزة صبر عالية ونادرة في مثل هذه المواقف) ويبدو أن يوسف بن تاشفين كان يقاتل وفي ذهنه معركة أحد ..يوم ترك الرماة أماكنهم مخالفين وصية رسول الله (ص)…

و سرعان ماتدخلت الفرق الاحتياطية لجيش أوروبا
وبدا وكأن الجيش الاسلامي علي مشارف الإبادة ، حينها طلب يوسف بن تاشفين من رماة الحدق السودانيين الدخول إلى المعركة، فأمطروا جيش الفونسو رمياً من أعلى الجبل … تقول الروايات التاريخية خاصة التي ذكرها المؤرخ إبراهيم حركات واتفق معه فيها بروفسور السنوسي، أن رماة الحدق السودانيين أخرجوا في ساعات حوالي 17 ألف جندي أوروبي من المعركة بين مصاب وقتيل، وكانت هي اللحظة الحاسمة في المعركة فبدا هروب جيش أوروبا من المعركة خاصة بعد أن أصاب أحد رماة الحدق السودانيين القائد الفونسو ..فاختلط الحابل بالنابل إذ أن كثافة الرماية من أعلى الجبل جعلت جيش أوروبا يفقد توازنه فبدأوا بقتل بعضهم البعض وانقض عليهم جيش ابن تاشفين الاحتياطي فكانت مجزرة بشرية حولت السهل إلى شلال من الدماء جعل أرض السهل أشبه بطين وحل من الدماء، فينزلق المقاتل فلا يعرف أين المفر فيقتل.

ومع نهاية عصر ذلك اليوم لم يتبق من جيش ألفونسو إلا خمسمائة مقاتل هربوا معه من أرض المعركة وهو مصاب، وحوالي 30 ألف فروا مع بداية الرماية من أعلى الجبل كما يقول (توينبي) في دراسته عن المفاجاة في المعارك.

أريد فقط هنا أن أشير لدور رماة الحدق السودانيين في تحقيق واحد من أعظم انتصارات المسلمين عبر التاريخ ..وهو دور أهمل تماماً من قبل المؤرخين، وتقول بعض الروايات التاريخية أن يوسف بن تاشفين القائد العظيم سجد شكرا لله ..ثم قال : إن النصر تحقق بفضل رماة الحدق السودانيين بعد الله عز وجل.

وهنا وقفة حزينة ومرة أيضاً، من الذي كان يقود اؤلئك الفرسان ؟؟ كيف وصلوا؟؟ من الذي أشرف عليهم؟؟ هل كانت هناك دولة أو قبيلة أشرفت علي ذلك الجهد؟؟ من هو القائد ؟؟ وهل لعب العلماء دوراً في ذلك؟؟ ومن هم ؟؟..و ماذا عن التدريب….وووو .؟؟ أسئلة كثيرة أمام الباحثين والعلماء من أبناء السودان..!! لأن حق هؤلاء العظماء ماضاع عند الله تعالي بإذنه….
لكن ماذا عني وعنك؟؟ فربما يكون جدي وجدك له سيف وسبق في هذا النصر التاريخي العظيم..!!

و ماهو دورنا نحن في إبراز مثل هكذا انجازات للآباء الكرام ليكون زاداً لمعاركنا في المستقبل خاصة ونحن أرض ثروات وموراد..

ويبرز سؤال ..ما الأثر الذي تركه انتصار المسلمين في معركة الزلاقة بسبب رماة الحدق السودانيين؟؟؟
يقول المؤرخ المغربي البارز : ابراهيم حركات..
..ترتب علي ذلك :
صمود الأندلس لمدة تزيد علي 400 عام فيما بعد حتى سقوطها في الثاني من يناير 1492 علي يد فيردنياند وايزابيلا ..بعد أن سلمها لهم أبي عبد الله محمد الثاني عشر، الذي قالت له أمه العبارة الشهيرة ..

عندما نذكر بمثل هذه الأدوار لأهل السودان نريد إعادة الروح واللحمة لشعبنا الأبي بعد المحنة التي تعرضنا لها اليوم فالتاريخ داثماً يمثل كتاب الاعتبار والدرس والجذر وأساس المستقبل والرؤية الوجودية وقمة تمثل الروح المعنوية، فالتراكمية المتجددة لن تؤتي أثرها إلا إذا تم استيعاب واستلهام روح التاريخ الحقة.

و هنا أيضا لابد من وقفة مع حدث مهم جداً وخطير ..وهو :
ما إن سقطت دولة الأندلس وفرح الغرب بذلك ومن أنها آخر دولة للمسلمين في تلك الفترة .. إلا وفوجئ العالم بقيام الدولة السنارية (1505) كأول دولة إسلامية مع نهاية العصور الوسطي .. وهو ماوضع السودان في فوهة مدفع الصراع التاريخي المتجدد وبالتالي نُظر إلينا كشعب يمثل خطورة دائمة ..إذ أنه حتى بعد سقوط سنار ظهرت الدولة المهدية، وبغض النظر عن اختلاف الناس حولها، إلا أنها كانت أول حركة إسلامية جهادية في القرن التاسع عشر تحقق الانتصارات العسكرية وكان الخوف من هكذا حركات هو الحاضر الأكبر في وليمة برلين 1996…وهذا أيضا مسار آخر سنأتي له في حينه إن أمد الله في أيامنا…

تبقى معركة الزلاقة واحدة من أكبر عشر معارك إسلامية وقعت في تاريخ الإسلام مثل معركة بدر وفتح مكة وحطين، وحتى حرب أكتوبر 1973

إن معركة الزلاقة هي المعركة التي أثبتت أن المقاتل السوداني هو الرصيد المخيف أمام امبراطوريات الشر في أي عصر وزمان..

قناعتي الشخصية، هي أن حرب (الإبادة والازالة) التي نتعرض لها اليوم كان الهدف منها وسيظل الوصول إلى العلو الكبير بكسر إرادة ذلك المارد، وهو شعب السودان.

وهذه بمثابة دعوة لكل الباحثين .. نحتاج إلى المزيد من المعلومات عن مشاركة السودانيين في نصر معركة الزلاقة ..!! وما قمت به مجرد محاولة متواضعة في هذا المجال…

المجد والخلود..لرماة الحدق.. أولئك الذين خلدوا بدمائهم عطاء الاسلام الانساني في معركة الزلاقة…
ولأهل السودان عشم البقاء متحدين ..دفاقين عطاءً بالدم والروح للحضارة والاضافة.. برحمة الله في رمضان….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى