رأي

الحرب على إيران وتبدّل موازين القوة .. ماذا كشفت المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية في أسبوعها الأول؟

رمضان أحمد

مع اقتراب العدوان الإسرائيلي-الأمريكي على إيران من نهاية أسبوعه الأول، تبدو الصورة الميدانية مختلفة عمّا رُوِّج له قبل اندلاع الحرب. فرغم الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت مواقع إيرانية حساسة وأسفرت عن اغتيال عدد من القيادات العسكرية والعلمية والدينية، إلى جانب تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، فإن الهدف المركزي للحرب – وهو تغيير النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار – لم يتحقق حتى الآن.

في المقابل، تكبّدت إسرائيل خسائر ملحوظة نتيجة الهجمات الإيرانية المضادة التي طالت بنية تحتية عسكرية ومرافق حساسة، فضلاً عن الضربات التي استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في بعض دول الخليج وبعض المراكز الاقتصادية. وهكذا تحولت المواجهة خلال أيام قليلة إلى حرب استنزاف متبادلة لا يبدو أن أحد أطرافها قادر على حسمها سريعاً، فضلاً عن ارتباك سردية الحرب عند الجانب الأمريكي.

في هذا المقال نتناول بعض القضايا المرتبطة بالحرب، مستأنسين بآراء عدد من المحللين الأمريكيين الذين عارضوا الحرب، مثل دوغلاس ماكغريغور، والبروفيسور جيفري ساكس، والإعلامي تاكر كارلسون وغيرهم من الخبراء الذين حاولوا قراءة المشهد بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية.

لماذا بادرت إسرائيل بالحرب؟

يتساءل كثيرون عن سبب اندفاع إسرائيل لبدء المواجهة العسكرية مع إيران قبل الولايات المتحدة. يرى بعض المحللين أن إسرائيل اعتبرت وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض فرصة استراتيجية قد لا تتكرر. فالمناخ السياسي داخل الولايات المتحدة يشهد تزايداً في الانتقادات لإسرائيل، خاصة بين الأجيال الشابة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وبالتالي فإن تل أبيب رأت أن اللحظة الحالية ربما تمثل آخر فرصة للحصول على دعم أمريكي كامل لمواجهة إيران، قبل احتمال وصول إدارة أمريكية أقل حماساً للدخول في حروب تخدم المصالح الإسرائيلية.

ومن المفارقات أن ترامب وصل إلى السلطة تحت شعار “أمريكا أولاً”، لكن منتقديه يرون أن سياساته في الشرق الأوسط جعلت إسرائيل في موقع الأولوية على حساب المصالح الأمريكية المباشرة.

يرى بعض المراقبين أن دعم ترامب للحرب لم يكن مدفوعاً فقط باعتبارات استراتيجية، بل العكس تماماً، بحسابات سياسية داخلية.

ففي الولايات المتحدة تصاعدت خلال الفترة الأخيرة الضغوط الإعلامية المرتبطة بملف رجل الأعمال جيفري إبستين، وهو الملف الذي ما زال يثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية. ويعتقد بعض المحللين أن التصعيد العسكري قد يساعد في تحويل الأنظار عن هذه القضايا الداخلية، لا سيما أن ترامب مرتبط بها ارتباطاً وثيقاً.

كما أن ترامب يرتبط سياسياً بتيارات اليمين المحافظ التي تنظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفاً استراتيجياً في الشرق الأوسط من منظور ديني، وهو ما يفسر حجم الدعم الذي تقدمه إدارته لتل أبيب.

انكشاف الدور الأمريكي في المنطقة:

واحدة من النتائج المباشرة للحرب كانت تآكل الثقة في الدور الأمريكي لدى بعض حلفاء واشنطن في المنطقة.

فالدول الخليجية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وتستثمر مليارات الدولارات في منظومات الدفاع الغربية كانت تتوقع أن توفر هذه القواعد مظلة حماية لها. لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن الأولوية الأساسية لهذه المنظومات هي حماية إسرائيل والقواعد الأمريكية، وليس حماية الدول المضيفة بالضرورة.

وقد أدى ذلك إلى اتساع فجوة الثقة بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة، خصوصاً مع استمرار الهجمات الإيرانية على مواقع عسكرية أمريكية في المنطقة.

ومن اللافت أن دول الخليج، حتى الآن، اختارت عدم الانخراط في الحرب بشكل مباشر، واكتفت ببيانات التنديد التقليدية. ويبدو أن هذا الموقف يعكس إدراكاً لمخاطر الانجرار إلى صراع إقليمي واسع.

وفي هذا السياق لفتت الأنظار تصريحات رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم آل ثاني الذي حذّر من أن دخول الدول العربية في مواجهة مباشرة مع إيران سيترك آثاراً طويلة الأمد، حتى بعد انتهاء الحرب، محذراً من أن بعض الدول تتخذها ذريعة لتأتي بدعوى الفصل بين إيران وبين دول الخليج.

حسابات القوى الكبرى؛

على الصعيد الدولي، تراقب الصين وروسيا مجريات الحرب عن كثب. وقد عبّرت بكين بوضوح عن رفضها للتصعيد العسكري، وأكدت دعمها لإيران سياسياً، فيما تتعامل موسكو مع الأزمة بحذر شديد نظراً لتشابك مصالحها في المنطقة.

ويرى بعض المراقبين أن هذه الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية، خصوصاً بعد فشلها حتى الآن في تحقيق هدفها الأساسي بتغيير النظام الإيراني أو شل قدرته العسكرية.

حرب الاستنزاف: معركة الذخيرة:

أحد أبرز التحديات التي تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب هو ما يسميه الخبراء معضلة الكلفة العسكرية.

فإيران تعتمد بشكل واسع على الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، التي قد لا يتجاوز سعر الواحدة منها بضعة آلاف من الدولارات. في المقابل، تحتاج منظومات الدفاع الجوي لاعتراضها إلى صواريخ قد تتجاوز كلفة الواحد منها ما لا يقل عن أربعة ملايين من الدولارات.

هذا الفارق الهائل في الكلفة يجعل الحرب طويلة الأمد مرهقة اقتصادياً وعسكرياً للطرف الآخر، وهو ما يبدو أن إيران تراهن عليه عبر استراتيجية الاستنزاف.

تماسك النظام الإيراني:

إحدى الفرضيات الأساسية التي بُنيت عليها الحرب كانت أن الضربات العسكرية والاغتيالات ستؤدي إلى تصدع النظام الإيراني أو إشعال احتجاجات داخلية واسعة تؤدي إلى انقلاب.

لكن ما حدث حتى الآن يشير إلى نتيجة معاكسة. فقد أظهرت مؤسسات الدولة الإيرانية قدراً كبيراً من التماسك، واستمرت في إدارة العمليات العسكرية والدفاعية في الوقت نفسه.

كما خرجت مظاهرات واسعة في عدة مدن إيرانية تندد بالهجمات، مؤيدة للنظام ومتعاطفة مع القيادات التي قُتلت مما حول المشهد إلى تعبئة سياسية داخلية.

هذا الواقع دفع ترامب إلى التفكير في إمكانية وقف إطلاق النار أو التهدئة، وهو ما تشير بعض التقارير إلى أن إيران رفضته حتى الآن على لسان السيد علي لاريجاني.

الخليج بعد الحرب .. واقع جديد:

مهما كانت نتيجة الحرب، يبدو أن منطقة الخليج لن تعود إلى ما كانت عليه قبلها.

فالهجمات التي طالت بعض المنشآت والبنية التحتية كشفت هشاشة معادلة الأمن القائمة منذ عقود، والتي اعتمدت أساساً على الحماية الأمريكية.

وبالنسبة لبعض الدول، مثل الإمارات التي تلقت أكبر عدد من الضربات تفوق ما تلقته بلدان الخليج كافة، فإن التأثير الاقتصادي قد يكون كبيراً، لأن عنصر الأمن والاستقرار كان يمثل الركيزة الأساسية لجذب الاستثمارات العالمية والسياحة، وقد فر المستثمرون ورجال الأعمال بالفعل، علماً بأن إعادتهم في المستقبل المنظور مسألة صعبة.

دروس للعالم العربي:

الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الحرب هو أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية لم يعد ضمانة كافية للأمن.

ولذلك قد يكون من الضروري التفكير في مسارين متوازيين:

أولاً: الاستثمار في البحث العلمي والتصنيع العسكري لتعزيز القدرة الدفاعية الذاتية، كما فعلت دول مثل تركيا وباكستان وإيران.

ثانياً: بناء شراكات إقليمية جديدة قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي، بدلاً من الاصطفاف في صراعات القوى الكبرى.

نحو نظام دولي مختلف:

العالم في القرن الحادي والعشرين يشهد تحولات عميقة تجعل منطق الحروب الإمبريالية وتغيير الأنظمة بالقوة أكثر صعوبة وأقل جدوى.

فالتحديات العالمية مثل الفقر والبطالة والفساد والأزمات البيئية والأمن السيبراني تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً، وليس صراعات عسكرية مفتوحة.

كما أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعل من الصعب على الحكومات إدارة الحروب أو تبريرها بعيداً عن رقابة الرأي العام.

خاتمة:

حتى الآن لم تحقق الحرب أهدافها الرئيسية بإسقاط النظام الإيراني أو تشكيل تحالف إقليمي واسع ضد طهران. بل على العكس، كشفت الحرب حدود القوة العسكرية وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الدولي.

ويبقى الأمل أن تكون هذه المواجهة آخر الحروب الكبرى التي تقوم على منطق الهيمنة والتوسع، وأن يتجه العالم نحو مرحلة جديدة تقوم على التعاون بين الدول لتحقيق الأمن والاستقرار ورفاهية الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى