بين المفاوضات والقصف: ما الذي عجّل بالحرب على إيران؟

محمد عثمان مصطفى (دبايوا)
في العلاقات الدولية كثيراً ما تبدو السياسة وكأنها تسير على مسارين متوازيين: مسار علني تعكسه التصريحات الدبلوماسية، ومسار آخر خفي تتحرك فيه الضغوط والمصالح والرسائل غير المعلنة. وعند نقطة ما قد يطغى المسار الثاني فجأة، فيتحول المشهد من طاولة التفاوض إلى هدير الطائرات.
هذا ما بدا أنه حدث عندما تبددت فجأة أجواء التفاؤل التي أحاطت بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، لتأتي الضربة العسكرية وتضع حداً لمسار تفاوضي كان كثيرون يعتقدون أنه يقترب من اختراق حقيقي.
فخلال الأسابيع التي سبقت التصعيد، جرت جولات من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة سلطنة عُمان. وقد تحدث الوسيط العُماني بدر البوسعيدي أكثر من مرة عن تقدم تدريجي في المحادثات، بينما وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تلك اللقاءات بأنها بداية إيجابية تتركز على الملف النووي وإمكانية تضييق فجوة الخلاف.
وكان المفاوضون قد افترقوا على أمل استئناف جولة جديدة في فيينا، في وقت كان البيت الأبيض يؤكد أن الدبلوماسية هي الخيار الأول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع إيران. بل إن ترامب نفسه كان يحرص على تقديم صورته كصانع صفقات يفضل الاتفاقات السياسية على المغامرات العسكرية.
لكن هذا المسار انقلب فجأة. فبينما كانت التوقعات تتجه نحو جولة تفاوض جديدة، جاءت الضربة العسكرية لتفتح باباً واسعاً للتساؤلات.
لماذا اندلعت الحرب في تلك اللحظة تحديداً؟
لا شك أن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن جديداً. فسنوات من العقوبات والتصعيد العسكري في الخليج والتنافس الإقليمي جعلت المواجهة احتمالاً قائماً في أي وقت. غير أن استمرار المفاوضات كان يوحي بأن خيار الحرب ما يزال مؤجلاً.
ومن هنا بدأ بعض المحللين يبحثون عن عوامل أخرى ربما ساهمت في تسريع القرار.
أحد هذه العوامل يتمثل في الضغط الإسرائيلي المستمر. فإسرائيل تنظر منذ سنوات إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً استراتيجياً مباشراً، وقد ظل رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يدعو إلى التعامل مع هذا الملف بمنطق الحسم وليس الانتظار.
كما أن نتنياهو يواجه في الداخل الإسرائيلي ضغوطاً سياسية وقضائية معقدة، تتعلق بقضايا فساد وبالتداعيات السياسية والعسكرية للحروب الأخيرة، إضافة إلى ضغوط المحكمة الجنائية الدولية المتزايدة. وفي مثل هذه الظروف كثيراً ما تميل القيادات السياسية إلى إعادة توجيه الاهتمام نحو ملفات أمنية كبرى.
غير أن بعض التحليلات تذهب أبعد من ذلك، لتربط بين هذا التحول المفاجئ وبين عودة الحديث في الإعلام الغربي عن قضية رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين.
فهذه القضية التي هزت دوائر المال والسياسة في الولايات المتحدة لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل كشفت شبكة علاقات واسعة ضمت شخصيات نافذة في عالم السياسة والاقتصاد والإعلام. وقد أثارت منذ البداية تساؤلات حول ما إذا كانت تلك الشبكة قد استخدمت، في مرحلة ما، كأداة ضغط أو نفوذ داخل النظام السياسي الأمريكي.
كما ظهرت في بعض التقارير تكهنات حول علاقات محتملة بين إبستين وشخصيات إسرائيلية بارزة، من بينها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، بل وذهبت بعض الفرضيات إلى الحديث عن صلات مع جهاز الموساد.
ومع ذلك فإن مجرد وجود مثل هذه الملفات الحساسة في خلفية المشهد السياسي الأمريكي يدفع بعض المراقبين إلى طرح سؤال أكثر حساسية:
هل يمكن أن تتحول المعلومات الشخصية أو الفضائح السياسية في بعض الأحيان إلى أوراق ضغط غير معلنة في صراعات النفوذ داخل واشنطن؟
وفي هذا السياق يُلمِّح بعض المحللين إلى أن شبكات النفوذ المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة قد تمتلك، بحكم علاقاتها الواسعة داخل مراكز القرار، قدرة كبيرة على التأثير في المناخ السياسي المحيط بصنع القرار. وإذا ما تزامن ذلك مع وجود ملفات محرجة أو معلومات حساسة، فإن تأثيرها قد يصبح مضاعفاً.
لا توجد بالطبع أدلة علنية تثبت أن مثل هذه العوامل لعبت دوراً مباشراً في تسريع قرار الحرب. لكن السياسة الدولية، كما يعلمنا التاريخ، لا تتحرك دائماً وفق الاعتبارات الاستراتيجية المعلنة وحدها، بل تتداخل فيها أحياناً حسابات النفوذ والضغوط الشخصية والصراعات الخفية.
ولهذا فإن الانتقال المفاجئ من أجواء المفاوضات إلى أجواء القصف يظل حدثاً يستحق التأمل. فربما كان نتيجة حسابات استراتيجية بحتة، وربما أيضاً كان انعكاساً لضغوط غير مرئية لا تظهر في البيانات الرسمية.
وحتى تتكشف الوثائق وتفتح الأرشيفات في المستقبل، سيبقى السؤال قائماً: هل كانت تلك الحرب مجرد فصل جديد في الصراع الأمريكي الإيراني، أم أن خلفها أيضاً ظلال ملفات أخرى ما تزال تتحرك في الكواليس؟



