التطبيقات البنكية: قراءة في التجربة العملية في السودان

د. مروة قباني **
بدأت الخدمات المصرفية الإلكترونية في السودان منذ مطلع الألفية الجديدة، من خلال ربط المصارف بشبكة المعلومات المصرفية، وربط فروعها في العاصمة والولايات المختلفة ضمن منظومة تشغيل موحدة. كما تم تشغيل المحول القومي في مطلع العام 2006م، مما أسهم في ربط المصارف ونشر أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع، وإتاحة التعامل عبر البطاقات المصرفية.
ومع تطور البنية التحتية الرقمية، أطلقت المصارف السودانية تطبيقات مصرفية إلكترونية مكّنت العملاء من إدارة حساباتهم وتنفيذ معاملاتهم المالية عن بُعد دون الحاجة إلى زيارة الفروع المصرفية.
ورغم هذه التطورات، لم تكن ثقافة التعامل مع المصارف والاستفادة من الخدمات المالية منتشرة على نطاق واسع بين مختلف فئات المجتمع السوداني، بل ظلت لفترة طويلة محصورة في شرائح محدودة ترتبط بالأنشطة التجارية والتمويلية. وقبل اندلاع الحرب، لم تتجاوز نسبة الأفراد الذين يمتلكون حسابات مصرفية ما بين 6% إلى 10% من إجمالي السكان.
ويعود ذلك إلى عدد من التحديات البنيوية والإجرائية أبرزها:
• متطلبات فتح الحسابات المصرفية من حيث الأوراق الثبوتية.
• الحاجة إلى مبالغ أولية لتغذية الحساب.
• متطلبات التزكية.
• الالتزام بالشروط التعاقدية التي تفرضها المصارف.
وقد أسهمت هذه العوامل في محدودية إنتشار الأدوات الرقمية المصرفية، مثل التطبيقات البنكية والبطاقات المصرفية المستخدمة في نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي.
كما تركز استخدامها بدرجة كبيرة في العاصمة القومية وبعض الولايات ، في حين ظل ضعف البنية التحتية للشبكات وعدم إستقرار الخدمات التقنية عائقًا رئيسيًا أمام توسع الخدمات المصرفية الرقمية وتحسين مستوى تقديمها في ولايات السودان.
التطبيقات الإلكترونية والدفع عبر الهاتف المحمول:
شهد السودان توسعًا ملحوظًا في خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول بعد ما يقارب عقدًا من بداية استخدام التقنيات المصرفية الرقمية، وذلك مع دخول شركات الاتصالات إلى منظومة الدفع الوطنية وربطها بالأنظمة المصرفية.
وقد مكّن هذا التكامل شركات الاتصالات من تقديم محافظ إلكترونية مرتبطة بأرقام الهواتف المحمولة، الأمر الذي أتاح للمستخدمين تنفيذ مجموعة واسعة من المعاملات المالية، مثل:
• التحويلات المالية.
• دفع الفواتير.
• شراء السلع والخدمات.
• السحب والإيداع عبر شبكة من الوكلاء المعتمدين.
كما دخلت شركات التكنولوجيا المالية (FinTech) السوق السوداني وارتبطت بالمحول القومي، حيث تم ترخيص أكثر من 100 شركة تكنولوجيا مالية، إضافة إلى ترخيص شركات الاتصالات الثلاث كمؤسسات مقدمة للخدمات المالية.
وقد أتاح ذلك درجة عالية من التكامل بين التطبيقات المصرفية والبطاقات المصرفية، مما سهل عمليات التحويل والدفع الإلكتروني بين المصارف المختلفة، وأسهم في تحسين كفاءة نظم الدفع الوطنية.
كما ساهمت التطبيقات الإلكترونية في تجاوز العديد من التحديات التقليدية، مثل البعد الجغرافي عن الفروع المصرفية، وتعقيد إجراءات فتح الحسابات، وارتفاع تكلفة المعاملات النقدية، مما جعل الخدمات المالية أكثر سهولة وشمولًا لفئات واسعة من المجتمع، خاصة في المناطق الريفية والمناطق ذات الخدمات المصرفية المحدودة.
وقد اتجه المواطنون بشكل متزايد نحو إستخدام الخدمات الإلكترونية وفتح المحافظ الرقمية عبر تطبيقات الشركات المالية المرخصة من البنك المركزي، مثل تطبيقات كاشي، سايبر باي، وبرافو، وغيرها من التطبيقات التي تقدم خدمات مبتكرة تدعم التحول الرقمي وتسهم في تعزيز الشمول المالي لعدد يفوق الـ 2 مليون مشترك.
التطبيقات الإلكترونية وتعزيز الشمول المالي:
خلال فترة أزمة السيولة النقدية، أصبح الاعتماد على التطبيقات المصرفية الإلكترونية خيارًا أساسيًا لإجراء المعاملات المالية اليومية، حيث ساهمت هذه التطبيقات في تقليل الاعتماد على النقد الورقي وتعزيز الثقة في وسائل الدفع الرقمية.
وقد ارتفعت معدلات استخدام البطاقات المصرفية ونقاط البيع والتطبيقات الإلكترونية بشكل ملحوظ، حيث بلغ عدد نقاط البيع في المحلات التجارية أكثر من 3500 نقطة بيع قبل اندلاع الحرب، كما تضاعفت معاملات الدفع الإلكتروني أكثر من عشرة أضعاف مقارنة بالفترات السابقة.
وأصبح الشمول المالي هدفًا استراتيجيًا تدعمه المصارف وشركات الاتصالات وشركات التكنولوجيا المالية، من خلال:
• التوسع في التطبيقات الرقمية.
• تبسيط إجراءات التسجيل.
• توسيع شبكة الوكلاء.
وقد ساعد ذلك في إدماج شرائح جديدة من المجتمع في النظام المالي الرسمي، وتحفيز التحول التدريجي من الاقتصاد النقدي إلى الاقتصاد الرقمي.
وتشير التقديرات إلى أن عدد مستخدمي الخدمات المصرفية عبر التطبيقات بلغ نحو 13.4 مليون مستخدم، أي ما يزيد على 30% من سكان السودان.
قراءة تحليلية للتجربة السودانية:
تعكس التجربة السودانية أن التطبيقات المصرفية الإلكترونية لم تكن مجرد أداة تقنية، بل تحولت إلى حل عملي لمعالجة أزمات هيكلية في النظام المالي، خاصة بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقطاع المصرفي نتيجة الحرب، حيث تعرض أكثر من 600 فرع مصرفي من أصل أكثر من 900 فرع للتدمير أو التوقف عن العمل.
وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه التجربة السودانية في:
• ضعف الشمول المالي.
• نقص السيولة النقدية.
• محدودية انتشار الفروع المصرفية.
ورغم هذه التحديات، أثبتت التجربة أن التكامل بين المصارف وشركات الاتصالات وشركات التكنولوجيا المالية يمثل نموذجًا فعالًا لتسريع التحول الرقمي المالي في الاقتصادات النامية.
وقد ركز البنك المركزي على ترخيص المؤسسات المالية لتقديم الخدمات عبر المحافظ الإلكترونية المرتبطة مباشرة بالبنوك التجارية، بما يعزز تكامل النظام المالي الرقمي.
كما لعب محول القيود القومي دورًا محوريًا في ضمان استمرارية الخدمات المالية، حيث يوفر بنية تحتية تسمح بتنفيذ المعاملات المالية بين المصارف المختلفة، مع وجود بدائل تشغيلية في حالات الطوارئ والكوارث، بما يضمن قدرة العملاء على الوصول إلى حساباتهم المصرفية واستمرار الخدمات المصرفية دون انقطاع.
تشير التجربة السودانية إلى أن التحول نحو التطبيقات المصرفية الإلكترونية أصبح ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار تقني، حيث ساهم في تعزيز الشمول المالي، وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المصرفية، وضمان استمرارية النظام المالي حتى في ظل الأزمات.
كما تقدم هذه التجربة نموذجًا مهمًا يمكن الاستفادة منه في العديد من الاقتصادات النامية التي تسعى إلى تسريع التحول الرقمي المالي وتحقيق قدر أكبر من الشمول المالي.
** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي



