الحرب على إيران… هل تسرّع نهاية التمرد في السودان؟

د. إسماعيل ساتي
في لحظات التحولات الكبرى في النظام الدولي، لا تبقى الحروب المحلية شأناً داخلياً خالصاً، ولا تستمر الصراعات الأهلية بمعزل عن حركة العالم من حولها. فالتاريخ الحديث يثبت أن مصائر الدول الضعيفة كثيراً ما تُحسم ليس فقط في ميادين القتال داخل حدودها، بل أيضاً في لحظات الانشغال الدولي، حين تعيد القوى الكبرى ترتيب أولوياتها، وتضطر إلى ترك ملفات كانت تضغط فيها بقوة لتتفرغ لما تراه أخطر وأهم.
واليوم يقف العالم على حافة مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي مواجهة إن اتسعت فلن تكون مجرد حرب عابرة، بل صراعاً يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط والبحر الأحمر، ويمتد أثره إلى كل دولة تقع في هذا المجال الحيوي، وفي مقدمتها السودان الذي يخوض منذ ثلاثة أعوام حرباً مصيرية بين مؤسسة الدولة ممثلة في الجيش، وبين مليشيا مسلحة تلقت دعماً خارجياً بالسلاح والمرتزقة، الأمر الذي أطال أمد الصراع وفتح الباب أمام أخطر تهديد لوحدة البلاد منذ استقلالها.
قد يبدو للوهلة الأولى أن اشتعال مواجهة كبرى في الإقليم سيزيد من تعقيد الوضع في السودان، لكن قراءة أهدأ لمسار الأحداث تشير إلى أن تأثير هذه الحرب لن يكون واحداً في كل المراحل، بل سيتغير بين المدى القصير والمتوسط والبعيد، وقد يحمل في طياته فرصاً لم تكن متاحة في الظروف العادية، إذا أحسنت المؤسسة العسكرية قراءة التحديات والفرص المتاحة من منظور مواطن الضعف والقوة، والتصرف على أساسها.
على المدى القصير، فإن أول ما يمكن ملاحظته في حال اتساع المواجهة مع إيران هو انشغال الولايات المتحدة وحلفائها بملف يعتبر بالنسبة لهم أكثر خطورة من أي نزاع آخر في المنطقة. وفي مثل هذه الحالات تتراجع بطبيعة الحال قدرة القوى الكبرى على متابعة الأزمات الثانوية بنفس الدرجة من التفصيل والضغط. وهذا لا يعني أن السودان سيخرج من حسابات العالم، لكنه يعني أن حجم التدخل، ومستوى المتابعة، ومحاولات فرض التسويات السياسية، كلها ستتأثر، على الرغم من المساعي المتواصلة التي تقوم بها جماعة صمود المرتبطة بالخارج لدفع العواصم الغربية إلى التدخل في الشأن السوداني. والتجارب السابقة تؤكد أن الفترات التي ينشغل فيها النظام الدولي بصراعات أكبر تكون في الغالب الفترات التي تتغير فيها موازين القوى داخل الدول التي تعيش حروباً أهلية، لأن الضغط الخارجي يتراجع، وتصبح الكلمة في النهاية لما يجري على الأرض.
أما على المدى المتوسط، فإن التأثير الأعمق لا يتعلق فقط بانشغال واشنطن وتل أبيب، بل بتغير أولويات المنطقة كلها. فالحرب مع إيران، مع استمرارها، ستجعل أمن البحر الأحمر في صدارة الاهتمام الدولي، ولن يكون مقبولاً في مثل هذا الظرف أن تبقى دولة بحجم السودان، وبموقعه الجغرافي الحساس، ساحة مفتوحة لقوى مسلحة متعددة الولاءات. فالسودان ليس دولة هامشية في الحسابات الاستراتيجية، بل يقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مما يزيد من ارتباط أمنه مباشرة بأمن مصر والسعودية وكذلك الدول الخليجية، وحركة التجارة الدولية. وفي مثل هذه الظروف تميل الدول الكبرى، وكذلك الدول العربية المعنية بالأمن الإقليمي وفي مقدمتها السعودية ومصر، إلى تفضيل وجود سلطة مركزية واضحة تستطيع ضبط الأرض، على استمرار حالة السيولة التي تسمح بتمدد المليشيات وتضارب النفوذ الخارجي.
ومن هنا يمكن فهم أن مواقف كثير من الدول قد تتغير في مرحلة لاحقة، ليس بدافع العاطفة أو الانحياز، بل بدافع الحسابات الباردة. فحين يصبح الاستقرار أولوية، تتراجع النظريات، ويتقدم السؤال العملي: من يستطيع أن يمنع انهيار الدولة؟ وفي الحالة السودانية، يصعب تصور أن الإجابة يمكن أن تكون خارج إطار المؤسسة العسكرية، مهما اختلفت الآراء حول السياسة أو شكل الحكم. وهذا الاستنتاج لا يستثني من هذه الدول دولة كالإمارات العربية، مما يدفعها دفعاً للرضوخ للضغوط وقبول التنازلات، ولو إلى حين!
لكن التأثير الأهم يظهر على المدى البعيد، لأن الحروب الكبرى لا تنتهي فقط بوقف إطلاق النار، بل بإعادة رسم موازين القوة في الإقليم كله. وكل التجارب السابقة في الشرق الأوسط تشير إلى أن الفوضى الطويلة في الدول الواقعة على الممرات الحيوية لا يُسمح لها أن تستمر إلى ما لا نهاية. فالعالم قد يتحمل الاضطراب لفترة، لكنه في النهاية يبحث عن صيغة تعيد الاستقرار، حتى لو جاءت هذه الصيغة عبر دعم طرف واحد يفرض السيطرة على الأرض ويعيد بناء مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، فإن استمرار وجود مليشيا مسلحة خارج سيطرة الجيش في بلد يطل على البحر الأحمر، ويقع في قلب منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية معقدة، سيصبح مع مرور الوقت وضعاً يصعب القبول به، ليس فقط بالنسبة للسودانيين، بل أيضاً بالنسبة للدول التي ترى في استقرار المنطقة جزءاً من أمنها القومي. وعند هذه المرحلة تتغير طبيعة المواقف الدولية، وتصبح الأولوية لمن يملك القدرة على إعادة بناء الدولة ومنع تحولها إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.
غير أن كل ذلك لا يعني أن النتائج ستأتي تلقائياً، فالتاريخ مليء بدول أضاعت فرصاً صنعتها التحولات الدولية لأنها لم تحسن قراءة اللحظة. والاستفادة من انشغال القوى الكبرى لا تتحقق بالشعارات، بل بإدارة الصراع بوعي سياسي وعسكري، وبالقدرة على تقديم المعركة بوصفها معركة بقاء دولة لا مجرد صراع على السلطة. فالعالم، خاصة في زمن الحروب الكبرى، لا ينحاز لمن يرفع الصوت الأعلى، بل لمن يبدو أكثر قدرة على فرض النظام ومنع الفوضى.
ولهذا فإن الحرب بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، إن طال أمدها – لا سمح الله – على خطورتها على المنطقة كلها، قد تتحول بالنسبة للسودان إلى لحظة فاصلة، تسرّع انتصار القوات المسلحة السودانية، إذا استطاعت أن تستفيد من تغير الأولويات الدولية، وأن تقدم نفسها باعتبارها الضامن الوحيد لوحدة البلاد واستقرارها. وفي مثل هذه اللحظات لا تُحسم المعارك في الميدان فقط، بل تُحسم أيضاً في طريقة قراءة العالم، وفي قدرة الدول على أن تعرف متى تتحرك، ومتى تصبر، ومتى تستفيد من انشغال الآخرين بصراعات أكبر.



