حين تُحلّ مجالس الإدارات .. هل تولد الدولة من جديد؟

دكتور مزمل سليمان حمد
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس القرارات بوقعها الآني فحسب، بل بقدرتها على إعادة تشكيل بنية الدولة وإعادة تعريف أدوار مؤسساتها. قرار حل مجالس إدارات الشركات والهيئات العامة، الذي أصدره السيد رئيس مجلس الوزراء، ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل خطوة تأسيسية تحمل في طياتها فرصة نادرة لإعادة بناء العقل المؤسسي للدولة على أسس حديثة وفاعلة.
هذا القرار، في جوهره، يعكس إدراكاً عميقاً بأن كثيراً من اختلالات الأداء في المؤسسات العامة لا تعود فقط إلى ضعف التنفيذ، بل إلى خلل في مستويات الإشراف والتوجيه الاستراتيجي، أي في مجالس الإدارات نفسها. فهذه المجالس ليست مجرد هياكل شكلية، بل هي العصب الذي يحدد الاتجاه، ويضبط الإيقاع، ويضمن الاتساق بين الرؤية والسياسات والأداء.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحل، بل في ما بعد الحل. فمرحلة إعادة التشكيل هي الاختبار الأهم، وهي التي ستحدد ما إذا كان هذا القرار سيقود إلى نهضة مؤسسية حقيقية، أم سيظل مجرد إجراء دوري يتكرر دون أثر نوعي.
إن تشكيل مجالس إدارات جديدة يجب أن يقوم على رؤية متكاملة، تتجاوز منطق المحاصصة أو الترضيات، إلى معايير دقيقة ترتكز على الخبرة المهنية، والتنوع في التخصصات، والاستقلالية، والقدرة على التفكير الاستراتيجي. فالمجلس الناجح هو الذي يجمع بين الاقتصادي، والقانوني، والإداري، والتقني، والإعلامي – بحسب طبيعة المؤسسة – بحيث تتكامل الرؤى وتُبنى القرارات على تحليل علمي لا على انطباعات أو اجتهادات فردية.
ومن الأهمية بمكان أن تُراعى مسألة تضارب المصالح، ليس فقط بين العضو والمؤسسة، بل بين الأعضاء أنفسهم. إذ أن غياب هذا الضبط يفتح الباب أمام قرارات مشوبة بالمصالح الخاصة، ويقوض أسس الحوكمة الرشيدة. إن بناء مجالس قوية يبدأ من ضمان استقلالها الحقيقي، واستناد قراراتها إلى مصلحة المؤسسة والدولة، لا إلى شبكات النفوذ أو العلاقات.
كما أن ربط مخصصات أعضاء المجالس بالأداء الفعلي للمؤسسات يمثل نقلة نوعية في فلسفة الإدارة العامة. فبدلاً من المخصصات الثابتة، ينبغي اعتماد نظام تصاعدي مرتبط بمؤشرات الإنتاج والكفاءة، بما يحفز المجالس على ممارسة دورها الرقابي بجدية، ويجعلها شريكاً حقيقياً في تحسين الأداء، لا مجرد جهة اعتماد شكلي. وعندها فقط يصبح من الطبيعي أن تطالب هذه المجالس بإقصاء أي إدارة تنفيذية ضعيفة، لأن نجاحها بات مرتبطاً مباشرة بنتائج المؤسسة.
وفي هذا السياق، تبرز الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون كنموذج بالغ الأهمية. هذه المؤسسة، بتاريخها العريق الذي يناهز قرناً من الزمان، ليست مجرد جهاز إعلامي، بل هي أحد أعمدة تشكيل الوعي الوطني، وحارس للهوية الثقافية، ومنصة للتأثير المعرفي في المجتمع. ومع ذلك، فإن ما يُبذل فيها حالياً لا يتجاوز – في كثير من الأحيان – حدود المعالجات الجزئية أو “الترقيع”، وهو أمر لا يليق بمؤسسة بهذا الثقل.
إن مجلس إدارة هذه الهيئة يجب أن يُبنى وفق خصوصيتها، لا وفق القوالب العامة. فهو مجلس رقابي واستراتيجي، يجيز الخطط، ويقيم الأداء، ويضبط التوازن بين الرسالة الوطنية ومتطلبات التحديث، ويقود التحول نحو إعلام عصري قادر على المنافسة والتأثير. وهذا يتطلب أعضاء يمتلكون فهماً عميقاً للإعلام، والتقنية، والسياسات العامة، والأمن الثقافي، وليس مجرد أسماء تُدرج لاستكمال النصاب.
ومن اللافت أيضاً أن الخطاب الرسمي أحياناً لا يعكس وحدة هذه المؤسسة، حين يتم التعامل مع مكوناتها ككيانات منفصلة، بدلاً من التأكيد على أنها جسد واحد متكامل. وهذه مسألة ليست شكلية، بل تعكس فهماً لطبيعة المؤسسة، وتؤثر على طريقة إدارتها وتطويرها.
السيد رئيس مجلس الوزراء، إن هذا القرار يضعكم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور الدولة عبر مؤسساتها. لقد طرحتم رؤى واعدة، وتحدثتم عن حكومة أمل، لكن الرهان الحقيقي الآن هو في ترجمة هذه الرؤى إلى هياكل فعالة، تبدأ من مجالس الإدارات. فهذه المجالس، إن أُحسن تشكيلها، يمكن أن تصبح رافعة للإصلاح، وإن أُسيء اختيارها، قد تعيد إنتاج ذات الأزمات التي نسعى لتجاوزها.
إن الدولة لا تُبنى فقط بالقرارات الكبيرة، بل بكيفية تنفيذها، وبالأشخاص الذين تُسند إليهم مهمة تحويلها إلى واقع. ومن هنا، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى التشكيلات القادمة، باعتبارها المؤشر الحقيقي على جدية الإصلاح.
فهل نشهد ميلاد مجالس تُفكر بعقل الدولة، لا بعقل الأفراد؟ أم نعود إلى ذات الدائرة التي ندور فيها منذ سنوات؟
الإجابة، هذه المرة، ستصنع الفارق.



