عجز الاقتصاد الأمريكي عن تلبية متطلبات الحرب، وحسن التموضع السوداني

أ.د.حسين سليمان محمد أحمد **
طلب وزير الحرب الأمريكي من الكونغرس التصديق بإعتماد إضافي قدره 1٫1 ترليون دولار، على الموازنة السنوية التي تبدأ بتاريخ 10/01 وتنتهي بتاريخ 09/30، من كل عام، وهذا مؤشر على عدم قدرة المخطط الأمريكي الاقتصادي والمالي والأمني على التنبؤ بالمستقبل، ومن ناحية أخرى يوضح أن نسبة إحتياطي الموازنة السنوية المصرح به من الكونغرس الأمريكي ضعيف جداً، فمن تقاليد إجازة الموازنات السنوية، وتوقعاً للإنفاق غير المنظور وعند إجازة الموازنة، يجيز المشرع نسبة من الناتح المحلي الإجمالي كإحتياطي طوارئ، يجوز لوزارة المالية والبنك المركزي الصرف عليها في حالة الطوارئ، دون الرجوع للمشرع، بالإضافة لذلك يعتبر طلب وزير الحرب مؤشراً على حجم الدمار الذي أصاب ترسانة الأسلحة الأمريكية.
يصعب على الكونغرس تمرير تصديق إضافي بمبلغ 1٫1 ترليون دولار، على موازنة سنوية قدرها 7٫1 ترليون دولار، في ظل الظروف التي يواجهها الإقتصاد الأمريكي الذي يعاني من ارتفاع الدين العام حيث تجاوز 38٫1 ترليون دولار، وخدمته الفعلية في الموازنة السنوية في العام الماضي بلغت 970 مليار دولار، بالإضافة لإرتفاع عجز الموازنة الذي تجاوز ترليون دولار في العام الماضي، هذا بجانب معدل النمو الاقتصادي المنخفض الذي يتذبذب في معدلات أقل من 2%، في الوقت الذي نجد فيه الحصفاء من الأمريكيين بدأوا الحديث عن مخاوفهم من أن القانون الدولي سيلزمهم بدفع خسارات الاقتصاد الإيراني، بإعتبارهم هم وإسرائيل أول من أطلق الطلقة على إيران.
وفي ذات الوقت بعد نشوب الحرب، حدثت مخاطر مالية واقتصادية جديدة في الاقتصاد الأمريكي، متمثلة في زيادة المخاطر المالية الأمريكية، الناجمة عن زيادة المخاطر في الأصول، وزيادة تكلفة خدمة القروض، والسندات. في الوقت ذاته هربت رؤوس الأموال الساخنة من أمريكا إلى الصين، التي تتمتع بمخزون من الطاقة يكفي لمدة 6 شهور، الأمر الذي يعني أن الزيادات في أسعار الطاقة ستكون منخفضة، في ظل وجود إنتاج ضخم من الطاقات البديلة، وطلب عالي على العقار الصيني. أما في روسيا، والتي تعتبر من دعامات البريكس الأساسية، فقد زاد دخلها اليوم بموارد مالية ضخمة ناجمة عن إستغلال فرصة تسويق البترول والغاز في سوق تجاوز فيه الطلب على المحروقات المعروض منها بنسبة تجاوزت 22%.
أما من الناحية الجيوإستراتيجية، والجيوسياسية، والجيواقتصادية، برز تشكل ثلاثة أقطاب في العالم، القطب الأمريكي، والقطب الإيراني، الذي تمثل فيه إيران، قمة رأس الجليد – وكما قال أدروب، الله تعلم بمكونات قاعدة جبل الجليد – أما القطب الثالث هو القطب الأوروبي، الذي هو الآن في حالة ترقب، ولكن من المؤكد أن مصالحه لاتتطابق بنسبة كبيرة مع مصالح القطبين الٱخرين.
أما الحالة العامة للاقتصاد العالمي، فقد أخذ يتأثر بسلسلة من العوامل المتداخلة حيث إرتفعت فيه نسبة التضخم المدفوع من جانب تضخم التكاليف، الناجم عن الزيادة في أسعار المنتجات الطاقوية، وزيادة تكاليف الترحيل التي تأثرت بعامل ٱخر متمثلا في زيادة التكاليف اللوجستية، التي تمخضت عن الزيادة في تكاليف سلاسل الإمداد، التي نجمت عن قفل مضيق هرمز الذي تسببت فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
أما إذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء، إلى الحملة الإنتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وشعار “أمريكا أولا” وأولوياته التي طرحها في خطاب النصر، والتي كانت تدور حول أنه سيكون رسول سلام للبشرية، وسيوقف كثيرا من الحروب التي تدور في العالم، لاسيما الحرب الروسية الأوكرانية، والخطة التي تألفت من 912 صفحة، والتي رسمت خطوات حركة ترمب خلال فترة رئاسته الثانية، هذا مقروء مع إتجاه ترمب للحروب وقهر الدول، بدءا من فنزويلا، مرورا بإيران، يثبت أن هذا يمثل إنحرافا كبيرا عن الإلتزام بشعار “أمريكا أولا” وإنحرافا عن تنفيذ الخطة المعدة من قبل مراكز الدراسات والبحوث، والمجازة من قبل المشرع الأمريكي. وخلال هذه الفترة العملية والأداء الفعلي للموازنة الأمريكية، التي خطط لها لتعتمد على منتجات الذكاء الإصطناعي، والعملات المشفرة، قد فشلت فشلا زريعا، نتيجة لظهور منتجات الذكاء الإصطناعي الصيني Deep seek، والتي أظهرت أن منتجات الذكاء الاصطناعي الصيني منخفضة التكاليف، مقارنة بمنتجات الذكاء الإصطناعي الأمريكي، فمثلا مليون أمر او معاملة من Deep seek، تكلفتها 0.2 دولار، ومن ChatGPT، الأمريكي تكلفتها 20 دولار. هذا التباين في التكاليف ناجم عن إنخفاض تكلفة البنية التحتية لتطبيقات الذكاء الإصطناعي الصيني، مقارنة مع إرتفاع تكلفة البنيات التحتية، لتطبيقات الذكاء الإصطناعي الأمريكي، حسب زعم العاملين بشركات الذكاء الإصطناعي الأمريكي. لذلك تخلت الإدارة الأمريكية عن دور الذكاء الإصطناعي في زيادة نمو الاقتصاد الأمريكي، وحل مشكلة الدين العام الأمريكي المتنامي.
أما من حيث الجانب الإجتماعي، فقد خرجت المظاهر الهادرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، منددة بخوض أمريكا لحرب إسرائيل، ونادى كثير من قادة الرأي، والأكاديميين والباحثين والمفكرين الأمريكيين، بضرورة وقف الحرب، التي أثرت مباشرة على زيادة التكاليف المالية، التي أثرت على معاش الناخب الأمريكي.
بالنسبة لمتخذ القرار الإستراتيجي السوداني، فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية، لابد من المتابعة الدقيقة، وحسن التموضع، الذي لايضر بعلاقات السودان مع أي من المحاور الثلاثة، ويكون على مسافة تحددها المصالح المشتركة، وأوليات الدولة السودانية، ورغبات المجتمع السوداني.
** المركز الإحترافي العالمي لإستشارات التنمية الاقتصادية المستدامة



