بعـد العـودة والبـدء

أميمة عبد الله
مال هذه الطرقات كئيبةً هكذا!!
ومال الناس بائسون والأشجار بلا ظل كأنها عيدان غُرست على أرضٍ بور. ولِمّ البيوت موحشة، وأغلب أهلها غائبون.
عدت بعد العامين، والحياة تتلمس طريقها إلى المدن المستردة من الاختطاف، إلا أنها مازالت مريضة من أثار الغزو.
لقد مكث فيها الجنجويد الغزاة نحو العام كاملاً، خلف بقاؤهم الطويل إنهاكاً في المدينة، كأنهم الطاعون، كالثقب الأسود ابتلعوا المدينة في جوفهم كجهنم، وأحالوا عمارها إلى خراب.
كان النهار ساكناً مثقلاً بالحر، تكاد درجة الحرارة أن تتجاوز الثلاثة والأربعين، الطريق خالٍ من المارة، إلا من بعض العجائز يفترشون سجادة بالية تحت ظل شجرة شحيح ظلها قرب امرأة عجوز أمامها كانون عليه كفاتيرا حولها خمس كبايات، كانت تستعد لتصب للرجال الشاي، قلت للسائق لنقف، اتجهت ناحيتهم وبعد التحية سألتها عن قيمة كوب الشاي بالنعناع، قالت لا يوجد عندها نعناع، جلست على بنبر وحيد كان قربها، سألتها عن حالها، قالت إنها لم تغادر بيتها طيلة أيام الحرب، قالت أن ما رأت، لم تره ولم تسمع به من قبل، رجال مقاتلين ذوي شعر منسدل وشفاهُ متدلية حد الفك، ورائحتهم نفاذة، كانت تعم الأجواء قبل أن يظهروا، ولغةً ما سمعتها لا في عرب ولا عجم.
سألتها إن كان يأتيها زبائن، رد أحد الرجلين قائلاً: مافي ناس بجوها، وكلمتها مافي داعي تجي تاني، تعب ساي ..
غالباً هي لا تأتي من أجل الكسب وحده، بل إنها تأتي باحثة عن النجاة من الجنون، فالواقع هنا أقوى من أي خيال، تحت هذه الشجرة البائسة مع أولئك الرجال تحاول أن تسامر نفسها.
إنها العودة في أثارهم التي مازالت، كأنهم هنا عالقين في الهواء، والناس في كل مكان لا حديث لهم إلا عن الجنجويد، يتحدثون بكثرة من أجل أن تستوعب عقولهم العاجزة عن التصديق، هنا كانت أبشع حربٍ على مر تاريخ السودان.
وكأن الناس ليسوا هم الناس الذين كنا نعيش معهم قبل قيام الحرب، كأنهم آخرون جاءوا من الكهوف الموغلة في الظلام.
يحملون قلوباً مثقوبة بالأيام السوداء التي عاشوها وعيوناً زائغة تبحث عن حياتهم التي كانت ورؤوساً كثيرة التلفت، أيديهم جافة وملامح وجوههم شاحبة من قلة الماء، ألسنتهم تتعثر في الكلام خوف أن نجاتهم تكون خدعة وهم لم ينجوا بعد من الجنجويد … الأحياء موحشة وصوت الريح الثقيل تتجول في البيوت الفارغة من أهلها تدخل من النوافذ المشرعة لتخرج من الأبواب المفتوحة، كان صوتها هو الوحيد الحاضر، ضاعت الثقة في الأمان، وكيف لثقةٍ أضاعتها الحرب والغدر أن ترجع.
تجولت في الشوارع، كيف يمكن أن نبدأ من جديد، ومن أين يكون البدء، ومن هم الذين سيحملون المشعل نيابةً عن المجتمع، مَن يا ترى؟
من سيُقصر المسافات ويضخ ماء الحياة العذب ويبث الطمأنينة في قلوب الناس، ويعيد للشوارع مزاميرها، وللمدارس تلاميذها وللمصانع عمالها وللحقول زرعها ومزارعيها وللأسواق تجارها .. من يخطو الخطوة الأولى ويبدأ مع ضوء الشمس.
حياة الكثيرين هنا في الخرطوم ستبدأ من حيث لا شيء، من لا نقطة، من صفر البداية، المواجهة الصامتة مع ذاكرة الحرب وأيام الفرار.
إزالة الركام ونظافة الأوساخ وإصلاح الأبواب والبحث عن الماء وتوصيل خطوط الكهرباء، وفتح البيوت، وسريان الماء في الحيشان، وعودة الجيران، البيوت أكثر من مكان يأوي، هي تأكيد بأنه مازال في استطاعتهم البداية من جديد، والناس تطمئن ببعضها وتستقر.
لكن هنالك في الأعماق شيء ما، خبئ بين الضلوع، شيء مازال بحاجة إلى ترميم بحذر، إنها النفوس ذاتها، تحتاج أن ترمم نفسها، وتحتاج إلى زمنٍ ليس بالقصير.
وهنا يأتي دور القادة والقيادة الملهمة، كلماتها كأنها أكسير الحياة كأنها الأمان، الوطن تحت قيادتها يتحول إلى بيتٍ معنوي كبير ، قيادة تقول إن ما تبقى كافٍ للبناء من جديد، قيادة قادرة على تحويل تلك الأحزان الفردية إلى طاقة عمل جماعي، قيادة تحول التعافي البطيء إلى خيال مستقبل وتمنحه للناس كاملاً قابلاً للتنفيذ.
قيادة تعيد للناس إيمانهم بالحياة حين يفقدون إيمانهم بأنفسهم.
ولدينا في التاريخ عِبر ودروس ونماذج، والسودان لا ينقصه التاريخ ليقف من جديد.
الناس في كل مكانٍ واحد على اختلاف توجهاتهم وأديانهم وألوانهم من ألمانيا إلى رواندا إلى كوريا إلى البوسنة إلى لبنان، شعوب استطاعت أن تنهض من جديد بعد خراب عميق، إرادة جماعية وقيادة ملهمة.
السودان ليس استثناءً، يملك تلك القوة الخفية، قوة الاعتراف بالسقوط ويقين أن الوطن ليس خياراً والسقوط ليس قدراً دائماً والطريق لا ينتهي عند العثرة بل أحيانا يكون البداية.



