حين يُناقش السودان خارج السودان: ماذا يريد مؤتمر برلين؟

مهند عوض محمود
في برلين، يُناقش السودان… من دون السودان. تغيب الدولة، ويغيب من يملك السلاح، ويُستدعى بدلاً عنهما طيف مدني بلا سلطة تنفيذ ولا قدرة إلزام. ومع ذلك، يُقدَّم المؤتمر كخطوة نحو الحل، وكأن الأزمة يمكن تفكيكها خارج أطرافها الأساسية. هنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية: لم يعد السؤال كيف تتوقف الحرب، بل من الذي سيُمنح حق التحدث باسم السودان في هذه الحرب… وصياغة ما بعدها.
مؤتمر برلين المقرر اليوم، 15 أبريل 2026، لا يأتي من فراغ، بل هو الحلقة الثالثة في مسار دولي بدأ بباريس في 2024 ثم لندن في 2025. وكل محطة في هذا المسار كشفت حدود ما تستطيع الإرادة الدولية فعله في السودان. باريس كان مؤتمراً إنسانياً بالدرجة الأولى، هدفه حشد التمويل لمواجهة الكارثة المتفاقمة. وقد نجح بالفعل في جمع تعهدات تجاوزت ملياري يورو، لكن هذا النجاح كان محدداً بطبيعته. الأموال لم تكن موجهة إلى الدولة السودانية، ولم تكن أداة سياسية مباشرة، بل تعهدات تمر عبر المنظمات الإنسانية لتغطية الغذاء والصحة والإيواء والمياه والحماية داخل السودان وللاجئين في دول الجوار. وبالتالي، فإن باريس نجح في تعبئة المال، لكنه لم ينجح في ضمان وصوله الكامل ولا في تحويله إلى تأثير يغيّر مسار الحرب، لأن المشكلة لم تكن في نقص التمويل وحده، بل في البيئة التي تمنع وصوله.
بعد عام، جاء مؤتمر لندن محمّلاً بإدراك أن المال وحده لا يكفي ؛ حاول أن يضيف طبقة سياسية فوق الطبقة الإنسانية، فتحدث صراحة عن وقف دائم لإطلاق النار، وعن وحدة السودان، ورفض الحكومات الموازية، وأكد ضرورة الانتقال إلى حكم مدني. كما أعلن تمويلاً إضافياً كبيراً. لكن رغم هذا الجمع بين المال والخطاب، تعثر عند النقطة الحاسمة: غياب التوافق بين الرعاة أنفسهم. الخلافات بين القوى الإقليمية والدولية حول أولويات المرحلة – هل يبدأ الحل بوقف الحرب أم بإعادة تشكيل الحكم – منعت إنتاج رؤية موحدة قابلة للتنفيذ. وهكذا خرج لندن بتمويل جديد ولغة سياسية أوضح، لكنه فشل في تحويلهما إلى مسار فعلي على الأرض.
من هذه الخلفية يأتي برلين، محمّلاً بإرث فشلين جزئيين: فشل التمويل في فرض التنفيذ، وفشل الخطاب في فرض التوافق. ولذلك فإن المؤتمر الجديد لا يحاول تكرار ما سبق، بل تعديل المسار عبر مقاربة مختلفة تقوم على ثلاث ركائز: حشد التمويل الإنساني، تنسيق الجهود الدولية، وبناء منصة مدنية سودانية يمكن تقديمها كصوت بديل للحرب.
هنا تظهر الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: برلين قد ينجح تكتيكياً، لكنه سيفشل استراتيجياً. النجاح التكتيكي لا يعني وقف الحرب، بل تحقيق أهداف جزئية محدودة. قد ينجح المؤتمر في جمع تمويل جديد في لحظة تعاني فيها الاستجابة الدولية من فجوة واضحة؛ وقد ينجح في إعادة السودان إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد تراجع حضوره؛ وقد يتمكن من جمع عدد من القوى المدنية في منصة واحدة لإنتاج خطاب سياسي مضاد للحرب؛ وقد يمنح الجهات المنظمة مادة تقول بها إن هناك نواة مدنية يمكن البناء عليها لاحقاً.
لكن هذا النجاح، حتى لو تحقق، يظل نجاحاً في البيئة المحيطة بالحرب، لا في الحرب نفسها. فالمؤتمر لا يضم طرفي القتال، ولا يملك أدوات إلزام، ولا يستطيع فرض وقف إطلاق نار أو ضمان تنفيذه. وبالتالي فإن فشله الاستراتيجي يكاد يكون مضمونا: لا يمكن إنهاء حرب من دون من يحمل السلاح، ولا يمكن إعادة ترتيب دولة من دون الدولة نفسها.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية: غياب الحكومة السودانية عن المؤتمر ؛ هذا الغياب ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو جوهر المسألة. من زاوية المنظمين، يبدو أن استبعاد الحكومة مقصود، لأنهم لا يريدون تحويل برلين إلى جولة تفاوض بين الجيش والمليشيا الارهابية، بل يسعون إلى نقل مركز الثقل من العسكريين إلى المدنيين، وبناء منصة سياسية تسبق أو ترافق أي تسوية لاحقة.
لكن من زاوية الدولة السودانية، فإن هذا المسار يحمل معنى مختلفاً تماماً. فمناقشة قضايا السودان من دون حكومته تعني عملياً تجاوز السيادة، وفتح الباب لإعادة تعريف من يملك حق التحدث باسم البلاد. كما أن استبعاد الدولة، مع استبعاد أطراف الحرب في الوقت نفسه، لا يخلق بديلاً حقيقياً، بل يخلق فراغاً يُملأ بقوى لا تملك سلطة تنفيذ ولا أدوات إلزام.
أما القوى المدنية المدعوة، وعلى رأسها تحالفات مثل “صمود”، فإن دورها يجب أن يُفهم بدقة. هذه القوى لا تملك الدولة، ولا تسيطر على الأرض، ولا تستطيع فرض وقف إطلاق النار. دورها الحقيقي هو منح المؤتمر غطاءً سياسياً مدنياً، وإنتاج خطاب يمكن تسويقه دولياً باعتباره تعبيراً عن صوت سوداني غير عسكري. هذا دور مهم في تشكيل الصورة، لكنه محدود في التأثير العملي داخل السودان، لأنه يفتقد أدوات التنفيذ.
وهنا تتكشف العقدة التي يتجاوزها المؤتمر ولا يحلها: سؤال الشرعية.
سؤال الشرعية في السودان ليس سؤالاً نظرياً، بل هو جوهر الأزمة نفسها: من يملك حق تمثيل الدولة، ومن يملك حق التفاوض باسمها، ومن يملك حق تقرير مستقبلها. ومؤتمر برلين، بدلاً من أن يحسم هذا السؤال، يتجاوزه عملياً عبر جمع أطراف متعددة لا تملك وحدها شرعية سيادية ولا سلطة تنفيذ، في محاولة لبناء تمثيل موازٍ أو لاحق. لكنه بذلك لا يحل المشكلة، بل يعيد إنتاجها بصيغة جديدة، حيث تتعدد مراكز الادعاء بالتمثيل دون أن يملك أي منها القدرة على فرضه على الأرض.
أخطر ما في برلين أنه لا يجيب على السؤال الجوهري: من يمثل السودان؟ بل يلتف حوله. يجمع مدنيين بلا سلطة، ويستبعد دولة بلا بديل، ويغيب حملة السلاح الذين يفرضون الواقع. وهكذا لا تُحسم الشرعية، بل تُفكك أكثر، ويتحول النزاع من حرب على الأرض إلى صراع على من يملك حق التحدث باسم السودان في هذه الحرب… وصياغة ما بعدها.
في نهاية المطاف، لن يخرج برلين بحل، لكنه قد يخرج بإطار. لن يوقف الحرب، لكنه سيحاول إعادة تعريف من يتحدث عنها. وبين نجاح تكتيكي في جمع المال وصياغة الخطاب، وفشل استراتيجي في فرض واقع جديد، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً: من يملك السودان… ومن يملك حق التحدث باسمه؟
ما يجري في برلين ليس مجرد مؤتمر، بل محاولة لنقل مركز الثقل من الدولة إلى ما دونها، ومن السيادة إلى التمثيل، ومن القرار إلى الخطاب. وإذا لم يُنتبه إلى هذا التحول، فإن الخطر لن يكون في نتائج المؤتمر نفسها، بل في ما يؤسس له بصمت: واقع سياسي يُصاغ خارج مؤسسات الدولة، ويُعاد إدخاله لاحقاً باعتباره أمراً واقعاً.
هنا لا تكون المعركة على الأرض فقط، بل على تعريف الدولة نفسها. فإما أن يبقى السودان دولة تُدار من داخلها، أو يتحول إلى ملف يُدار من خارجه. وفي هذه المساحة الرمادية، لا تُحسم الحروب… بل تُعاد صياغة نتائجها.



