رأي

قراءة منظومية للحرب في الخليج وأثرها على السودان

 

 

د. أسماعيل ساتي

ليست الحروب الكبرى أحداثاً منفصلة يمكن تفسيرها داخل حدودها الجغرافية أو العسكرية فحسب، بل هي، من منظور الفكر المنظومي، اضطرابات تصيب ”المنظومة الإقليمية“ وتُطلق سلسلة من حلقات التغذية الراجعة (Feedback Loops) التي يعاد من خلالها إنتاج السلوك السياسي للدول، وإعادة توزيع النفوذ بين المركز والأطراف. وبهذا المنظور، فإن المواجهة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن فهمها كحدث ثنائي، بل كنقطة اختلال في مركز المنظومة الجيوسياسية للشرق الأوسط، تمتد ارتداداتها إلى دوائر أبعد، من الخليج إلى السودان.

في هذا الإطار، لا يصبح السؤال ”ما الذي يحدث؟“ بل ”كيف تتحرك المنظومة بأكملها استجابة لهذا الاضطراب؟“ وكيف تنتقل هذه الاستجابة عبر حلقات متكررة من التأثير المتبادل، تشبه إلى حد كبير تموجات إلقاء حجر في الماء، بعضها يعزز بعضاً، وبعضها يحدّ منه؟

الخليج كمنظومة فرعية .. من التنافس الداخلي إلى التماسك تحت الضغط:

قبل تصاعد المواجهة مع إيران، كانت المنظومة الخليجية تعمل وفق حلقة تغذية راجعة تعزز التمايز التنافسي بين السعودية والإمارات. هذه الحلقة (Reinforcing Loop) كانت تُغذَّى بتباين الرؤى في ملفات إقليمية مثل اليمن، وكذلك باختلاف أنماط النفوذ في السودان، مما أنتج تنافساً ومساحات متعددة للتأثير، وسمح بتعدد قنوات الدعم وتنوع مراكز القرار.

لكن مع تصاعد التهديد الإيراني، تدخل المنظومة في حلقة تغذية راجعة مضادة (Balancing Loop)، حيث يؤدي ارتفاع مستوى التهديد الخارجي إلى تقليل التباينات الداخلية لصالح إعادة إنتاج التماسك. هذه ليست مجرد سياسة ظرفية، بل آلية منظومية معروفة: كلما ارتفع مستوى التهديد الخارجي المدرَك لدى دول الإقليم، ازدادت الحاجة إلى تعزيز التماسك الداخلي بين مكوناته، مما يؤدي تدريجياً إلى تقليص حدة التنافس الداخلي، وبالتالي يُعاد توجيه الموارد والسياسات من ساحات التباين الداخلي نحو مواجهة التهديد الخارجي وإدارته.

في هذه اللحظة، يتحول الخليج من منظومة فرعية تنافسية إلى منظومة فرعية متماسكة نسبياً تحت الضغط، وفق منطق “أنا وابن عمي على الغريب”، لكن بصيغة منظومية لا عاطفية.

السودان كمنظومة طرفية .. انتقال التأثير عبر حلقات تغذية متأخرة:

لا يتفاعل السودان مع مركز الأزمة بشكل مباشر، بل عبر حلقات تغذية راجعة متأخرة (Delayed Loop)، تمر بالخليج أولاً. ففي مرحلة التنافس الخليجي، كانت الحلقات تعمل على النحو التالي:

في مرحلة التنافس بين السعودية والإمارات، اتخذت قنوات الدعم الموجهة إلى السودان أشكالاً أكثر تمايزاً؛ حيث اتجه الدعم السعودي بدرجة أكبر نحو مؤسسات الدولة السودانية، في مقابل أنماط دعم أخرى ساهمت فيها الإمارات وارتبطت بـ”قوات الدعم السريع”. وقد أسهم هذا التباين في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المشهد السوداني، بما انعكس بصورة مباشرة على ديناميكيات الصراع الدائر وتوازناته المتغيرة.

لكن مع دخول الخليج في حالة التماسك تحت الضغط، تنقلب الحلقة إلى نمط مختلف: مع تصاعد التهديد الإقليمي الخارجي، اتجهت دول الخليج إلى تعزيز التماسك فيما بينها، وهو ما انعكس في زيادة تنسيق القرار وتقليص مساحات التباين بين سياساتها. وقد أدى هذا التحول تدريجياً إلى تقليص تعدد قنوات التأثير الخارجي في السودان، مما نتج عنه انخفاض ملحوظ في هامش المناورة السياسي المتاح للفاعلين الداخليين فيه.

بمعنى آخر: ما يحدث في مركز المنظومة لا يؤثر فقط في الأطراف، بل يعيد تشكيل طبيعة العلاقات داخل تلك الأطراف نفسها.

التحول البنيوي في طبيعة الدور السوداني: من “ساحة تنافس” إلى “موقع استراتيجي”

 

في الفكر المنظومي، هناك فرق بين أن تكون دولة “ساحة تنافس” وبين أن تتحول إلى “عقدة موقع” داخل شبكة أوسع. فالسودان في الحالة الأولى يستفيد من تعدد الفاعلين الخارجيين، وفي الحالة الثانية يُعاد تعريفه وفق وظيفته الجغرافية والأمنية، خاصة مع تصاعد أهمية البحر الأحمر كممر استراتيجي.

وهنا تتغير حلقة التغذية الراجعة مرة أخرى: مع تزايد أهمية البحر الأحمر في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، ارتفع مستوى الاهتمام بالموقع الجغرافي للسودان بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على تراجع الاهتمام بجوانبه المتعلقة بالبنية السياسية الداخلية. ونتيجة لذلك، بدأ يُعاد تعريف السودان بصورة متزايدة باعتباره مجالاً وظيفياً ذا قيمة جيوسياسية في نظر الإقليميين، أكثر من كونه مشروع دولة متكامل يقوم على اعتبارات سياسية وتنموية داخلية.

ما بعد الحرب: إعادة ضبط الحلقات، لا العودة إلى نقطة الصفر

في المناظيم المعقدة، لا تعود حلقات التغذية إلى وضعها السابق بعد الصدمات الكبرى، بل يُعاد إعادة ضبطها (Recalibration). وبالتالي، فإن نهاية المواجهة مع إيران، بغض النظر عن شكلها، لن تعني عودة المنظومة إلى حالتها الأولى، بل انتقالها إلى توازن جديد.

• في حال أدى الصراع إلى إضعاف إيران، فمن المتوقع أن تزداد ثقة دول الخليج في بيئتها الإقليمية، مما يدفعها إلى العودة إلى أدوار أكثر نشاطاً في المنطقة، وقد يفتح ذلك المجال لإعادة الاهتمام بالسودان بوصفه منطقة نفوذ واستثمار.

• أما في حال استمر توازن القوى مع إيران دون حسم، فسيبقى منطق الحذر هو المسيطر على سلوك دول الخليج، مما يؤدي إلى استمرار محدودية انخراطها في السودان، وبقاء الصراع السوداني في حالة استمرار دون حسم واضح.

• وفي حال اتسعت رقعة المواجهة وتعمقت، فمن المرجح أن يتحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس مباشر بين القوى الإقليمية والدولية، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الأهمية الاستراتيجية للسودان، لكنه في الوقت نفسه سيقود إلى مزيد من التعقيد داخل مشهده الداخلي وتداخل صراعاته.

وعليه،،،

ما تكشفه هذه القراءة المنظومية أن الحروب الكبرى لا تُنتج نتائجها فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر إعادة تشكيل بنية العلاقات داخل المنظومة الإقليمية. فمن منظور الفكر المنظومي، فإن السودان ليس خارج هذه الحرب، بل جزء من حلقات تأثيرها غير المباشر، حيث تنتقل الصدمات من المركز إلى الأطراف عبر سلاسل من التغذية الراجعة تعيد تشكيل السلوك السياسي، وتحدد هامش الحركة داخل الدول.

وبذلك يصبح فهم السودان اليوم أقل ارتباطاً بما يجري داخله فقط، وأكثر ارتباطاً بكيفية عمل المنظومة الإقليمية ككل، وكيف تعيد الصدمات الكبرى ضبط توازناته الداخلية والخارجية في آن واحد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى