رأي

“السويفت” في مهب الثورة الرقمية: من يحتكر شرايين المال في عالم متعدد الأقطاب؟

نعمان يوسف محمد

لم يعد النظام المالي العالمي كما كان قبل عقد واحد فقط. فالتغيرات التي تقودها التكنولوجيا الرقمية لم تعد تحسينات تدريجية داخل النظام القائم، بل تحولات بنيوية تعيد تعريف مفهوم القوة المالية ذاته (financial power redefinition).

وفي قلب هذا التحول تقف الشبكة الدولية لتبادل رسائل التحويلات المالية بين البنوك المعرفة إختصاراً بــ”سويفت” ( Society for Worldwide Interbank Financial Telecommunication “S)، التي شكلت لعقود طويلة العمود الفقري للمدفوعات الدولية (cross-border payments infrastructure).

هذه الشبكة لم تكن مجرد قناة تقنية لتبادل الرسائل المالية، بل كانت وما تزال جزءاً من البنية التحتية العميقة للنظام المالي العالمي، لكن السؤال اليوم لم يعد: ما هي SWIFT؟
بل أصبح: هل ستبقى مركز النظام المالي العالمي في عصر الثورة الرقمية؟

من مركزية النظام إلى تفكك السيطرة؛

منذ نشأتها، مثلت SWIFT نموذجا واضحا لنظام مركزي للمراسلات المالية، حيث تمر معظم التحويلات الدولية عبر قناة موحدة، تخضع لمعايير صارمة من الثقة والتشفير والتنظيم. وقد منحت هذه المركزية النظام المالي العالمي درجة عالية من الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه خلقت نقطة تحكم استراتيجية في حركة الأموال العالمية، فالقوة هنا لم تكن فقط في تسهيل التحويلات، بل في القدرة على التأثير في تدفقها.

لكن هذا النموذج بدأ يتعرض لضغوط غير مسبوقة من ثلاثة اتجاهات رئيسية:
أولا: الثورة المالية التقنية؛
فأول التحديات يأتي من شركات التقنية المالية، التي أعادت تصميم تجربة الدفع بالكامل. هذه الشركات لا تعمل وفق منطق البنوك التقليدية، بل وفق منطق السرعة، وتقليل التكلفة، وإلغاء الوساطة المالية قدر الإمكان.

التحويلات التي كانت تستغرق أياما عبر القنوات التقليدية أصبحت تتم في ثوانٍ عبر تطبيقات ومنصات رقمية، مما قلل من الاعتماد على البنية التقليدية للمدفوعات الدولية.

ثانيا: البلوك تشين وإلغاء الوسيط ..

التحدي الثاني أكثر عمقا: تقنيات blockchain أو ما يعرف بـ (DLT).
هذه التقنية تقدم نموذجا مختلفا تماما .. نظام مالي لا مركزي، لا يحتاج إلى وسيط مركزي مثل SWIFT، بل يعتمد على شبكة موزعة من العقد (nodes) للتحقق من المعاملات.

بهذا المعنى، لم يعد السؤال فقط حول سرعة التحويل، بل حول الحاجة إلى الوسيط من الأساس.

ثالثا: العملات الرقمية للبنوك المركزية CBDCs
أما التحدي الثالث، فهو الأخطر استراتيجيا: العملات الرقمية للبنوك المركزية؛ هذه العملات الرقمية السيادية لا تمثل مجرد رقمنة للنقد، بل تعني إمكانية إعادة بناء أنظمة تسوية مالية مباشرة بين الدول دون المرور بالبنية التقليدية القائمة على SWIFT أو البنوك الوسيطة.

ومن هنا يبدأ التحول الحقيقي في بنية النظام المالي العالمي.

نهاية المركزية أم إعادة تشكيلها؟

إن ما نشهده اليوم ليس بالضرورة نهاية SWIFT . بل نهاية احتكارها التاريخي للبنية التحتية للمدفوعات العالمية.

فالعالم يتحرك نحو نموذج جديد يمكن وصفه بأنه بنية مالية متعددة المراكز ( multi-polar financial architecture)، حيث لا توجد نقطة مركزية واحدة، بل عدة مراكز مالية تتقاسم النفوذ.

في هذا النموذج، قد تظهر شبكات إقليمية، وأنظمة تسوية سيادية، ومنصات رقمية متوازية تعمل جنبا إلى جنب مع النظام التقليدي.

من “SWIFT” إلى “طبقة التشغيل البيني”

التحدي الحقيقي أمام SWIFT ليس فقط المنافسة، بل إعادة تعريف دورها.

ففي النظام القادم، قد لا يكون الدور الأمثل لـ SWIFT هو كونها قناة تحويل، بل أن تتحول إلى طبقة تشغيل بيني، أي طبقة ربط بين الأنظمة المالية المختلفة، التقليدية منها والرقمية.

بهذا الشكل، تتحول من “شريان وحيد” إلى “جسر عالمي” بين أنظمة متعددة.

الصراع الحقيقي: السيادة المالية

التحول الأهم الذي يجب الانتباه إليه هو أن المعركة لم تعد تقنية، بل أصبحت سياسية واقتصادية بامتياز.

إن السيطرة على المدفوعات الدولية تعني عمليا السيطرة والتحكم السيادي في النظام المالي أي القدرة على التحكم في تدفق الأموال، والتجارة، والاستثمار.

ولهذا فإن الصراع بين SWIFT والأنظمة الجديدة ليس صراع أدوات، بل صراع على شكل النظام العالمي نفسه.

هل نحن أمام تفكك النظام المالي العالمي؟

إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد لا نشهد انهيار النظام المالي العالمي، بل إعادة تشكيله في صورة أكثر تشتتا. نظام تتوزع فيه القوة بين:
شبكات مدفوعات تقليدية،
منصات FinTech عالمية ،
أنظمة Blockchain
عملات رقمية سيادية CBDCs
وهذا يعني الانتقال من نظام مركزي واحد إلى نظام مالي شبكي (networked financial order).

الخلاصة: من يحتكر المستقبل المالي؟
السؤال النهائي ليس ما إذا كانت شبكة SWIFT ستبقى أو تختفي، بل هو: من سيكتب قواعد النظام المالي القادم؟
ففي العصر الرقمي، لم تعد القوة لمن يملك البنية التحتية فقط، بل لمن يملك القدرة على تصميم قواعد الربط، والثقة، والسيادة الرقمية.

وإذا كانت شبكة SWIFT قد مثلت عنوان مرحلة النظام المالي العالمي المركزي، فإن المرحلة القادمة قد تكون عنوانا لنظام مالي أكثر تعقيدا، وأكثر توزيعا، وأقل قابلية للاحتكار.

حتما إنها ليست نهاية شبكة SWIFT .. بل بداية لحظة ينكسر فيها تعريف المال القديم، ويعاد تشكيله من الصفر داخل نظام مالي جديد لن يشبه ما قبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى