رأي

النهضة تبدأ من الثقافة والعمل .. السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار … بل إلى إعادة بناء العقل الوطني

 

 

دكتورة هويدا شبو

 

 

في خضمّ الحرب التي أنهكت الأرض وأذلت الإنسان، وبعد سنوات من الانقسام والانهيار الاقتصادي الحادّ، بات الحديث عن “نهضة السودان” يتصدر المجالس والمنابر، ويملأ الصفحات والشاشات خاصة بعد أن لاحت بشائر السلام وشارفت الحرب على نهايتها.

 

يتحدث الناس عن إعادة بناء المدن المدمرة، وترميم الجسور المنهارة، وإعادة تشغيل المصانع المعطلة، واستعادة الخدمات المنقطعة، وبعث الاقتصاد الوطني من رماده. وكل هذه قضايا مشروعة وضرورية، لا يختلف عليها عاقل. غير أن المتأمل في تجارب الأمم التي عرفت الكوارث ثم نهضت منها يدرك يقينًا أن النهضة الحقيقية لم تنبع قط من الإسمنت والحديد وحدهما، ولم تولد من مشاريع البنية التحتية وإن كانت لازمة؛ بل نبعت أولًا وقبل كل شيء من الإنسان نفسه، من عقله وطريقة تفكيره، ومن ثقافته ومنظومة قيمه، ومن نظرته إلى العمل والمسؤولية والزمن. فلا نهضة بغير إنسان ناهض، ولا بناء بغير وعي حي يسكن الأجساد قبل أن يسكن المباني.

 

الدول التي عرفت الخراب الأشد، من ألمانيا التي طحنتها الحرب العالمية الثانية إلى كوريا الجنوبية التي خرجت من رماد الحرب الكورية شبه خاوية، لم تنهض بالمال الخارجي وحده، ولا بالقروض والمعونات. إنما نهضت لأن في قلب كل مجتمع من تلك المجتمعات ثقافة راسخة تؤمن بالعمل قيمة عليا، وبالانضباط واجب لا خيار، وبالإنتاج شرف لا عبئ. ولهذا يمكن القول بكل جرأة إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما أتت عليه الحرب؛ بل يحتاج، وهذا هو الأعمق والأصعب، إلى إعادة بناء الروح الوطنية من جذورها، وإحياء قيم العمل والجدية والشعور بالمسؤولية الجماعية في ضمير كل مواطن.

 

وقد أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي منذ عقود بعيدة إلى أن أزمة المجتمعات المتأخرة ليست دائمًا في شح الموارد أو غياب الثروات، بل في أسلوب التفكير الذي يجعل المجتمع عاجزاً عن تحويل ما يمتلكه من طاقات وإمكانيات إلى مشروع حضاري متكامل. هذه الفكرة تبدو وكأنها كتبت للسودان تحديدًا؛ ذلك البلد الذي يمتلك من الخيرات ما يجعله قادرًا نظريًا على أن يكون قوة اقتصادية إقليمية .. أراضي زراعية شاسعة يعدها خبراء الأمن الغذائي العالمي من أثمن بقاع الأرض، وثروة حيوانية هائلة، وموارد معدنية ومائية ضخمة، وموقع جغرافي استراتيجي لا يقدَر، ومع ذلك ظل لعقود متتالية عاجزاً عن تحويل هذا الكنز الكامن إلى تنمية مستقرة أو نهضة مستدامة يلمسها المواطن في حياته اليومية.

 

النهضة ليست مسؤولية الحكومة وحدها:

 

واحد من أخطر الأوهام التي ترسّخت في وجدان كثير من المجتمعات النامية هو أن الحكومة هي المسؤول الأول والأخير عن كل شيء؛ عن توفير الوظائف وصنع التنمية وتقديم الخدمات، وحتى عن النجاح الفردي في أحيان كثيرة. ومع تمادي هذه النظرة وترسخها عبر الأجيال، تحولت إلى ثقافة اتكال مزمنة وانتظار دائم، تضمحل فيها روح المبادرة الفردية وتتقلص تدريجيًا، فيما يظل المجتمع ينظر إلى الدولة نظرة الطفل إلى وليّه، مهما كانت الدولة نفسها مثقلة بأعباء تفوق طاقتها.

 

لكن الحقيقة التي أثبتتها التجربة الإنسانية في كل مكان هي أن الحكومات وحدها لا تستطيع بناء الأوطان. تستطيع الدولة أن تسنّ القوانين وترسم السياسات وتوفر الأمن وتمدّ الطرق وتُشيّد المستشفيات، لكنها لا تملك القدرة، مهما بلغت من قوة وكفاءة، على أن تصنع من أفرادها شعب منتج منضبط مسؤول. هذه المهمة الكبرى لا تبدأ في القصور الجمهورية ولا في قاعات البرلمان، بل تبدأ في بيت عائلة صغيرة تعلّم ابنها احترام الوقت، وفي فصل دراسي يربّي الطالب على الانضباط والإتقان، وفي مسجد وكنيسة يزرعان في الروح قيمة العمل الصالح.

 

النهضة الحقيقية لا يصنعها السياسيون وحدهم، وإنما يصنعها المعلم الذي يدخل فصله بضمير يقظ ورسالة حية، والمزارع الذي يعرف أرضه ويعاملها باحترام وحبّ، والعامل الذي يرى في مهنته هوية لا عبئًا، والطبيب الذي يعاين مريضه كأنه يعاين أخاه، والشاب الذي يجرؤ على أن يبدأ مشروع متواضع بدل من أن يقضي سنوات عمره في انتظار تعيين حكومي لن يأتي.

 

وفي كثير من الدول التي نجحت في تجاوز الفقر والحروب، كان المجتمع المدني والأفراد شركاء حقيقيين في عملية البناء، ينظرون إلى مستقبل وطنهم باعتباره قضيتهم الشخصية لا مجرد ملف تديره مؤسسات الدولة.

 

أزمة السودان… أزمة ثقافة إنتاج في الجوهر:

 

حين ينظر المرء إلى المشهد السوداني بعين موضوعية بعيدة عن الخطاب العاطفي، يرى أن المشكلة الجوهرية لم تكن يومًا في غياب الإمكانيات أو شُحّ الموارد. فالسودان بلد يملك من الأرض الزراعية الخصبة ما يكفي لإطعام قطاعات واسعة من القارة الأفريقية. ومع ذلك يستورد ما يأكل، ويعاني شعبه من موجات متكررة من الجوع وانعدام الأمن الغذائي. يملك ثروة مائية كبرى تتدفق فيه روافد من أعظم أنهار العالم، ثم يعلن العجز عن ري أراضيه. يملك في باطن أرضه ذهب وخامات معدنية ثمينة، ثم يتصاعد فقر مواطنيه.

 

هذا التناقض الصارخ بين الإمكانية والواقع لا تفسّره الظروف السياسية وحدها، ولا تكفي الحروب والعقوبات الدولية لتفسيره تفسيراً كاملاً. ثمة عامل أعمق يتعلق بثقافة العمل والإدارة والإنتاج ذاتها؛ بمنظومة القيم التي تحكم علاقة الإنسان السوداني بالأرض والوقت والمسؤولية. فالتنمية ليست حفلات تدشين تعقد في المؤتمرات وتبث على الشاشات، بل هي سلوك يومي راسخ يتجلى في احترام الوقت واحترام العقد والالتزام بالجودة والشعور العميق بأن ما تنتجه يعكس هويتك وقيمتك.

 

وفي العقود الأخيرة تراجعت قيمة المهن الحرفية والإنتاج الزراعي والعمل الصناعي في التصور الاجتماعي، بينما تصاعدت ثقافة استهلاكية تبحث عن المكسب السريع والوظيفة المريحة بلا إنتاج حقيقي. وهذا التحول الثقافي الخطير أضر بروح المبادرة والإبداع، وأوجد أجيالاً تنتظر ما لا يمكن لأحد أن يمنحه دون جهد مبذول وعرق مراق.

 

السودان بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة الاعتبار لمفهوم العمل بوصفه قيمة أخلاقية وطنية راقية، لا مجرد وسيلة للكسب، لأن الوطن لا يبنى بالشعارات، بل بالساعات الطويلة من الجهد الصادق والعمل المتواصل.

 

احترام الوقت… المعركة الصامتة التي نخسرها كل يوم:

 

قد يبدو الحديث عن “الوقت” ترف فكري في بلد يعاني من حرب وجوع وتهجير. لكن المتأمل في أسباب التخلف يدرك أن هدر الوقت ليس مجرد عادة اجتماعية مزعجة، بل هو كارثة اقتصادية صامتة تراكم خسائرها يوماً بعد يوم دون أن يراها أحد في حسابات الناتج المحلي.

 

من أوضح الفوارق بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتأخرة أن الأولى تنظر إلى الوقت باعتباره ثروة وطنية غير قابلة للتجديد، فيما تسود في الثانية ثقافة مرنة مع الإهدار الزمني تكاد تكون قدراً مقبولاً لا موضع اعتراض عليه. وفي السودان، تحول التأخير وعدم احترام المواعيد وتراجع الإنتاجية إلى ظاهرة عامة في مؤسسات الدولة وكثير من القطاع الخاص والحياة اليومية. ورغم أن هذه السلوكيات تبدو هينة حين تنظر إليها منفردة، فإن أثرها التراكمي على الاقتصاد الوطني هائل ومضاعف.

فالمشروع الذي يتأخر خمس سنوات بدلاً من ثلاث بسبب البيروقراطية والبطء الإداري يفقد جزءاً من قيمته الاقتصادية. والاجتماع الذي يمتد ثلاث ساعات دون قرار قابل للتنفيذ يهدر طاقة بشرية وفرصاً ثمينة. والمواطن الذي يمضي يومه في دوائر الانتظار يؤدي عملاً ناقصاً وينتج أقل مما يستطيع. النهضة تبدأ حين يدرك كل فرد أن احترام الوقت ليس سلوكاً شخصياً يخصه وحده، بل هو واجب وطني وأخلاقي تجاه المجتمع بأسره، لأن الزمن الضائع لا تعوضه أموال ولا مشاريع.

 

ثقافة الاتكال… العدو الخفي الذي ينخر في بنية المجتمع:

 

لا تقلّ ثقافة الاتكال خطورة على مجتمعاتنا عن خطر الفساد الاقتصادي والصراع المسلح؛ بل ربما كانت أخطر، لأنها تعمل في الخفاء وتُفتّت الإرادة الجماعية بهدوء لا يُحَس. انتظار الحلول من الحكومة أو من المنظمات الدولية أو من المستثمر الأجنبي أو من المساعدات الخارجية أصبح في بعض قطاعات مجتمعنا نمط راسخ، يزاحم روح المبادرة ويقتل الإبداع ويجعل المواطن مستهلكاً سلبياً لا فاعلاً منتجاً..

التنمية الحقيقية لا تنبت من تربة الاتكال أبدًا. إنها تنبت حين يشعر المواطن في أعماقه أن له دوراً مباشراً لا غنى عنه في بناء وطنه، مهما بدا هذا الدور متواضعًا؛ شاب يبدأ مشروعاً صغيراً في حيّه، وامرأة تدير مدرسة بيتية في قريتها، وشباب ينظمون مبادرة لتنظيف شوارع حيّهم. هذه البذور الصغيرة هي ما يصنع النهضة الكبرى حين تجد البيئة المناسبة للنمو. وكثير من التجارب الاقتصادية الناجحة بدأت بمبادرات فردية خجولة تحولت عبر الزمن إلى مؤسسات كبرى صنعت فارقاً حقيقياً في حياة الناس وفي مسار الاقتصاد.

 

السودان يمتلك آلاف الشباب الموهوبين القادرين على الإبداع والابتكار والعمل الجاد، لكن طاقاتهم تظل معطلة أو مهاجرة في غياب بيئة تحتضن المبادرة وتكافئ الجهد الحقيقي. البلاد تحتاج بإلحاح إلى نشر ثقافة ريادة الأعمال والعمل الحرفي والمهني، لأن الاقتصادات القوية لا تقوم على مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين، بل على ملايين من المنتجين المستقلين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذين يحركون دوافع الاقتصاد الحقيقي.

 

الانقسام والصراعات… استنزاف مزمن لأرواح الوطن وطاقاته:

 

لا توجد أمة في التاريخ استطاعت أن تبني نهضة حقيقية وهي منهكة بالصراعات الداخلية ومشغولة بحروبها مع نفسها. الحروب لا تدمر المباني فحسب، بل تدمر ما هو أثمن بكثير: الثقة بين الناس. وحين تنكسر الثقة بين أبناء الوطن الواحد، تغدو التنمية مشروعًا مستحيلًا مهما توافرت الأموال والموارد والخبرات.

 

دفع السودان خلال العقود الماضية ثمناً بشرياً واقتصادياً ونفسياً باهظاً جراء الصراعات السياسية والقبلية والجهوية، حتى باتت طاقات هائلة من المجتمع تستنزف في الخصومات والتجاذبات والأحقاد المتوارثة، بدلًا من أن تنصب نحو بناء المستقبل. وكل دقيقة تقضى في صراع داخلي هي دقيقة مسروقة من زمن التنمية والبناء.

 

ولهذا فإن أي مشروع نهضوي جدّي يجب أن يرتكز على أساس المواطنة المشتركة التي تتجاوز العصبيات وتعلو على الانتماءات الضيقة، وعلى بناء ثقافة وطنية جديدة تؤمن بأن التنوع ليس تهديداً بل ثروة، وأن التعايش ليس تنازلاً بل قوة، وأن العمل الجماعي ليس ترفاً بل ضرورة وجودية.

 

المجتمعات المنقسمة تتآكل تدريجيًا وتخسر يومًا بعد يوم قدرتها على تصوّر مستقبل مشترك وبناءه، مهما كانت الأرض تحتها خصبة والسماء فوقها سخية.

 

التعليم والإعلام… معركة العقول التي تسبق كل المعارك:

 

إذا كانت النهضة تبدأ من الإنسان فإن صناعة هذا الإنسان تبدأ من التعليم والإعلام. هذان هما المصنع الكبير الذي تتشكّل فيه قيم المجتمع وتُصاغ مخيّلته الجماعية وتحدد اتجاهاته الكبرى.

 

التعليم في السودان بحاجة ماسة إلى ثورة حقيقية في فلسفته قبل مناهجه. فالمدرسة يجب ألا تظل مجرد مؤسسة لتلقين المعلومات وحفظها وإعادة إنتاجها في أوراق الامتحانات، بل مؤسسة لتربية أجيال تحترم العمل وتبدع فيه، وتعي مسؤوليتها تجاه مجتمعها، وتربط المعرفة بالحياة والإنتاج والتكنولوجيا لا بمجرد الحفظ النظري المنفصل عن الواقع. ومنظومة التعليم التي لا تُخرج إلا حاملي الشهادات الباحثين عن الوظيفة لن تصنع نهضة لأمة.

 

والإعلام، في زمن تضخمت فيه قدرته التأثيرية بما لم يشهده التاريخ، مدعو إلى مراجعة جذرية لدوره ورسالته. إعلام يُحتفى فيه بالمزارع المثابر في أرضه كما يُحتفى بالسياسي، وبالمهندس الشاب الذي طور أداة تعيد رسم طريقة عمل الناس، وبالمعلم المخلص الذي صنع في فصله المتهالك أجيالاً غيرت الواقع، هذا الإعلام هو من يصنع القيم الجمعية ويعيد رسم صورة النجاح في أذهان الأجيال الجديدة. أما إعلام يستهلك طاقته في صراعات يومية لا تنتهي، ويقدم الإثارة على حساب الوعي، فهو جزء من المشكلة لا أداة من أدوات الحل.

 

النهضة تبدأ من الإنسان… وإليه تعود:

 

لا يوجد مشروع اقتصادي مهما كان ضخماً، ولا إصلاح سياسي مهما كان جريئاً، يمكن أن يحقق ما يُرجى منه إذا لم يسبقه تحول حقيقي في الثقافة العامة وفي طريقة تفكير الإنسان وتعامله مع نفسه ومع الآخرين ومع وطنه. النهضة ليست مناقصات ومشاريع وخطط خمسية، بل هي حالة من الوعي الجماعي تتجسد في سلوك يومي متراكم عبر الزمن.

لهذا كان مالك بن نبي يذكر دائمًا بأن الحضارة تبدأ ببناء الإنسان قبل بناء الأشياء، وأن الإنسان الواعي المنظم المنتج هو اللبنة الأولى التي يستحيل بناء أي صرح حضاري دونها. والسودان اليوم، وسط كل هذا الألم والدمار والتشريد، يقف عند مفترق تاريخي نادر: إما أن يستثمر هذه الصدمة الوجودية لإعادة اكتشاف نفسه وبناء ثقافة وطنية جديدة قائمة على احترام الوقت وتقدير العمل وتشجيع المبادرة والإيمان بأن الوطن مسؤولية الجميع، أو أن يخرج من هذه المحنة بجروح أكبر وعقل أكثر خمولاً.

 

حين يتحول العمل إلى قيمة يفتخر بها لا تهمل، والإنتاج إلى ثقافة تتوارث لا تحتقر، والانضباط إلى سلوك طبيعي لا استثناء نادر، وحين يشعر كل مواطن سوداني في قريته ومدينته وفي منفاه البعيد أن له دور لا يمكن لغيره أن يؤديه في رسم ملامح الغد، عندها فقط تبدأ النهضة التي يحلم بها السودانيون. وعندها فقط تستيقظ هذه الأرض العظيمة من رقادها الطويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى