رأي

بقاء الحصيلة في حسابات المصدِّرين بين بنك السودان وبنك الاحتياطي في زمبابوي

حبيب الله عبد الوهاب

درج بنك السُّودان على اتباع نمط وقالب متكرر من سياسات الصادر مستهدفاً عائده بقيود شكَّل معظمها في رأينا مخاطر كانت وما زالت هي السبب الرئيسي وراء ضعف مساهمته في بناء احتياطي من النقد الأجنبي داخل النظام المصرفي للبلاد بالقدر الذي يوازي ويناسب الحجم الحقيقي للصادرات بوضعها الحالي، وليس أدل على ذلك من العجز المزمن الذي أضحى يمثل سمة مميزة للميزان التجاري لعقود.

تجدر الاشارة إلى أنّ بنك السُّودان ما انفك يكرر تعليماته و عبر منشوراته المنظِّمة لإجراءات الصادر على مدار سنوات تحديداً فيما يتعلق بفترة بقاء الحصيلة في حساب المصدِّر, فقد نصَّت معظم هذه المنشورات على أنْ تبقى لأجل 3 أسابيع فقط، يسمح خلالها للمصدِّر باستخدامها في تغطية فاتورة الاستيراد لمصلحته أو التنازل عنها لمستورد آخر حتّى إذا جاء أجلها و لم يتمكَّن المصدِّر من تنفيذ أيٍ من الخيارين استولى عليها البنك المركزي مقابل قيمتها بالجنيه وفق سعره الرسمي، و على الرغم منْ اعتقادنا أنَّ هدف البنك المركزي منْ هذه السياسة هو توجيه الحصائل و ضبطها بما يقود إلى تحقيق عرض كافٍ من النقد الأجنبي لمواجهة احتياجات الاستيراد و تمكين البنوك التجارية منْ الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه استحقاقات الأطراف الخارجية و ما يقود إلى استقرار العملة الوطنية، إلا أنّ تعليمات البنك المركزي بهذا الخصوص كما يبدو من خلال الإحصاءات الرسمية قد أخطأت الهدف إذ لم يتمكن فعلا من جذب الحصائل الحقيقية لصادرات البلاد، و ذلك في رأينا يعود إلى أنَّ عددا كبيرا من المصدرين يحسِبون هذا القيد الزمني في خانة المخاطرة المالية التي حتماً ستأتي على رأسمالهم فتأكل بعضه بالتالي تهدد مستقبل بقاءهم في السُّوق و لعلِّ حجم المخاطرة هنا يعبر عنه الفرق الكبير بين سعر الصرف الرسمي للجنيه مقابل الدولار الأمريكي و سعره في السُّوق الموازي، فالمصدِّر دائماً يعتمد على موارده الذاتية في تغطية تكاليف التصدِّير و هي أي موارده المالية مقوّمة بالسِّعر الموازي و على هذا الأساس تجري المعاملات المالية و التجارية بين كافة شركاء عمليات الصادر في السُّوق المحلية، فالقيد الزمني لبقاء الحصيلة طرف حسابات المصدِّرين دفع عددا مقدرا منهم إلى تبنّي خيارات صعبة منها المغامرة بعدم إعادة الحصيلة، أو اللجوء إلى حيلة أخرى (الوراقة)، أو الخروج نهائياً من نشاط الصادر إلى غيره أو ربما الخروج نهائياً من البلاد و البحث عن فرص مضمونة في دول الإقليم و غيرها.

على الجانب الآخر وبشأن التعامل مع حصيلة الصادر وفترة بقاءها في حسابات المصدِّرين، تتَّبع العديد من البنوك المركزية في القارة الأفريقية ذات الاقتصاديات المستقرة نسبياً، سياسة نقدية غاية في المرونة والواقعية تمكَّنت من خلالها من حشد احتياطيات مريحة من النقد الأجنبي وهو ما يظهر بوضوح على حالة الاستقرار الاقتصادي التي تعيشها هذه البلدان.

في هذا السياق نجد أن البنك المركزي النيجيري CBN مثلا يسمح للمصدِّرين بالاحتفاظ بحصائلهم في حساباتهم داخل النظام المصرفي إلى أجل مفتوح دون أن ْ يتدخل بتسييلها إلى العملة المحلية ( NGN) على أنْ يتم استخدامها لأغراض الاستيراد أو تمويل الأنشطة ذات الصلة بعمليات الصادر نفسه وكافة الأنشطة التجارية المسموح بها، وكنتيجة لتطبيق حزمة من الاصلاحات الاقتصادية الجريئة بهذا الخصوص فقد تمكَّن البنك المركزي في مطلع هذا العام من انجاز قفزة كبيرة من إيرادات النقد الأجنبي بلغ اجماليها 48 مليار دولار.

بينما نجد أن تنزانيا وإثيوبيا تسمحان للمصدِّرين بالاحتفاظ بنسبة 50% منْ حصائلهم داخل النظام المصرفي بالعملة الأجنبية كذلك إلى أجل مفتوح بشرط تسييل الــ 50% المتبقية إلى العملة المحلية على أنْ يتم استخدام الحصيلة الأجنبية في سداد الالتزامات الخارجية بما فيها تغطية فاتورة الاستيراد للسلع المرخص باستيرادها. غير أنَّ تجربة الحكومة الزمبابوية تستحق الوقوف عندها و ذلك لأنَّ تحدياتها الاقتصادية و تعقيدات المشهد العام في البلاد مقروءة مع الفرص التي تتمثل في الموارد الكامنة تشبه إلى حد كبير الحالة السودانية فدعونا نتوقف قليلا مع أبرز ملامح هذه التجربة .

ففي زمبابوي و من خلال برامج اقتصادية طموحة محكمة و واقعية تمكَّنت الحكومة في الثلاث سنوات الأخيرة منْ العبور باقتصاد البلاد منْ وضعية التضخم المفرط و عجز الميزان التجاري المزمن و فقر الخزانة العامة لموارد النقد الأجنبي إلى ضفة الإنجازات الاقتصادية الاستثنائية، فقد استطاعت أنْ تعيد مؤشر التضخم منْ تصنيف الثلاثة أرقام Three Digits حيث كان 667% في العام 2023 و 736% حتى منتصف العام 2024 إلى تصنيف الرقمين Two Digits في أقل من سنة و نصف إذ بلغ المؤشر حاجز الــ 15% بنهاية العام 2025 و في مطلع العام الحالي استطاعت الحكومة أنْ ترغم معدل التضخم ليستقر في تصنيف الرقم الواحد حيث وصل إلى 4.1% و هو إنجاز استثنائي و قراءة مدهشة قياساً إلى عمق الأزمة الاقتصادية و قِصر عُمر التجربة (3 سنوات فقط).

على صعيد حشد موارد النقد الأجنبي فقد تمكَّنت الحكومة من تزويد الخزانة العامة بتدفقات هائلة بلغت 13.30 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2024 ثم قفزت إلى 16.20 مليار دولار بناهية العام 2025.

علاوة على ذلك وفيما يتعلق بالميزان التجاري فقد حققت الحكومة الزمبابوية لأول مرَّة ومنذ عقود فائضاً تجارياً مقداره 240 مليون دولار بنهاية العام 2025 ثم حققت فائضاً قدره 113 مليون دولار في يناير وحده من العام الحالي، ويكتسب هذا الإنجاز أهميته منْ كونه انتقل بالميزان التجاري منْ العجز إلى الفائض.

والسؤال الذي يحاصرنا هو كيف استطاعت الحكومة الزمبابوية إنعاش أسوأ وأضعف اقتصاد لدولة أفريقية ؟

إنَّها سياسة التحفيز والمرونة المدروسة التِّي تصَدّرَها بنك الاحتياطي الزمبابوي RBZ فالبلاد تعتمد بشكل أساسي على ثلاثة مصادر رئيسية للنقد الأجنبي تأتي صادرات الذهب على رأس القائمة ثمَّ صادرات التباكو وتحويلات العاملين بالخارج مع قليل منْ القروض الأجنبية، فماذا فعل بنك الاحتياطي الزمبابوي؟

في إطار سعيه لبناء احتياطي من النقد الأجنبي بغرض تلبية احتياجات الاستيراد و مقابلة الالتزامات الخارجية و تحصين العملة المحلية من الانهيار فقد تمَّ تكليف مصفاة الذهب الحكومية Fidelity Gold Refinery بشراء الذهب المنتج بواسطة التعدين الأهلي وصغار المنتجين و بالدولار الأمريكي بنسبة 100% ، كما طلب منْ شركات الاستثمار و الشركات الكبيرة أن تتنازل عن نسبة 30% من انتاجهم نظير الحصول على المقابل بالعملة المحلية ( ZIG) على أنْ يتم شراء الــ 70% بالدولار الأمريكي، لكنَّه سمح في ذات الوقت لكافة المنتجين و بقية المصدرين ببقاء حصيلة مبيعات الذهب و حصيلة الصادرات الأخرى الدولارية في حساباتهم المصرفية دون قيدٍ زمني مع خيارات عديدة لأغراض الاستخدام. و كنتيجةٍ لهذه السياسة المحفِّزة فقد ارتفعت احتياطيات البنك المركزي من العملة الأجنبية (الدولار) و ارتفعت معها معدَّلات إنتاج الذهب سنةً بعد سنة خلال الثلاث سنوات الأخيرة إذ ارتفع الإنتاج إلى 36 طناً في العام 2024 بعد أن ْ كان 30 طناً في العام 2023 ثم ارتفع إلى 47 طناً بنهاية العام 2025 و كذا زاد حجم الصادرات الزراعية و على رأسها التباكو و القطن.

وفي جانب العملة الوطنية فقد استطاع بنك الاحتياطي الزمبابوي من بناء احتياطي من الذهب العيني والمعادن النفيسة الأخرى إلى جانب رصيد كبير من الدولار الأمريكي يكفي كغطاء حقيقي حصّن به العملة الوطنية الــ ZIG ضد أي انهيار أمام سلة العملات الأخرى على الرغم من سماحه بنظام تعدد العملات التي يقودها الدولار الأمريكي، والراند RAND الجنوب أفريقي إلى جانب العملة الوطنيَّة على السَّواء في إنجاز المعاملات المالية و التجارية اليومية.

و على الرغم منْ اختلاف النظام الاقتصادي بين السُّودان و زمبابوي حيث النظام الاقتصادي المختلط في زمبابوي و الذي يميل إلى سياسة التحرير في السُّودان إلى جانب بعض التعقيدات السياسية و الأمنيَّة وتداعيات الحرب في السُّودان مع إشكاليات الحظر الأمريكي الذي يعيق حرية انسياب المعاملات الماليَّة بين مصارف السُّودان و المصارف حول العالم و الاقليمين العربي و الأفريقي إلا أنَ لدى السُّودان فرص اقتصاديَّة أوسع تمكنّه من إنجاز اختراقات كبيرة على صعيد بناء احتياطي من النقد الأجنبي و التغلب على معظم هذه المهددات. فبالإمكان أن تصل التدفقات النقديَّة إلى 16 مليار دولار في سنة مالية أو سنتين، الذهب وحده قد يحقق عوائد تقترب من الــ 10 مليار دولار كما أنَّ صادرات السُّودان الزراعية رغم الحرب إلا انَّها ما زالت قادرة على تحقيق 3 مليار دولار يضاف إليها 3 مليار قد يساهم بها العاملون بالخارج هذا إذا استبعدنا الفرص الكامنة مثل المعادن الأخرى، النفط، التصنيع الزراعي، بالإضافة إلى التوسع في مجال إنتاج الثروة الحيوانية و خلافها.

ختاماً نخلص إلى أنَّه و على الرغم منْ وجود مهددات كبيرة نسبياً تعيق مسيرة الاقتصاد السُّوداني في سبيل اللِّحاق بركب هذه الدول المستقرة اقتصادياً إلا انّه في ذات الوقت لدى الحكومة فرصاً حقيقيةً و مستقبلاً واعداً يبشر بالعبور إلى برٍ آمن و واقع اقتصادي أفضل تتحقق فيه معدلات نمو كبيرة و قراءات تقترب بمؤشر التضخُّم إلى تصنيف الرقم الواحد كما يعد بحشد موارد مناسبة من حصيلة النقد الأجنبي، فقط على البنك المركزي أن يبادر و يتبنّى سياسات نقدية جريئة و واقعية تتسم بالمرونة المدروسة و التحفيز الموزون بشأن حصائل الصادر كأن يعكس رقمي القيد الزمني لفترة بقاء حصيلة الصادر طرف حسابات المصدرين لفترة (12) شهراً على الأقل بدلاً عن (21) يوماً كما هو الحال في إندونيسيا ثم إلى فترة مفتوحة كحال عدد كبير من دول القارَّة الأفريقيَّة ذات الاقتصاديات المستقرة مع دراسة إمكانيَّة انْ يتنازل المصدر عنْ نسبة مئوية مناسبة من حصيلته و يحصل على مقابلها بالجنيه السوداني حسب السعر الرَّسمي بجانب توسيع مظلة و خيارات استخدام الحصيلة المكنونة لدى حسابات المصدرين و أيِّ إجراءات من شأنها أنْ تزيل المخاوف بشأن الحصيلة و تعزِّز ثقة المصدِّرين في النظام المصرفي.

قناعتنا أنّ مشروع تحفيز تدفقات النقد الأجنبي يمر عبر سياسات تجارية ونقدية مرنة ومستدامة فهي الحل الأقوى والأكثر فاعلية من المعالجات المسكنة المؤقتة.

** خبير تجارة دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى