رأي

ماكان معصوماً لكنه كان يسعى للعصمة

 

محجوب فضل بدري

لكل إنسان من اسمه نصيب فقد كان (عصمت) يتحرى العصمة من الذنوب والخطايا فوفقه الله فى تلك الخطوات الشائكة التى مشاها (ومن كتبت عليه خُطَىً مشاها)..
اسم عصمت بالتاء المفتوحة آخر الكلمة تعنى عصمة مثل بقية كل الأسماء المتشابهة نُطقاً مثل رأفت رأفة، وحشمت حشمة، وصفوت صفوة، وأُلفت ألفة، وشوكت شوكة، وطلعت طلعة وهكذا

عرفت العميد شرطة عصمت أحمد بابكر وهو فى منصب المدير التنفيذى لمكتب وزير الداخلية، ويالها من مهام تلك التى يعهد إليه بها الوزير لمتابعتها، ولكن ما لفت نظري هو خلو منضدة مكتبه من أي أوراق ظاهرة (حرفياً)!! كيف يمكن أن يُتصور أن تكون تربيزة المدير خالية من الأوراق والملفات تماماً؟؟ لكن عصمت كان يفعل ذلك ويستظهر عناونين ملفاته وأكثر من ذلك فتجده قد ستر دولاب الملفات الكبيرة بستارة على الأبواب الزجاجية بحيث لا تتمكن عين الزائر أن تقع على أي كلمة حتى رقم الملف، وهذا ما لم أقف عليه عند أي مسؤول آخر فكل ترابيز المكاتب (مردومة ملفات) إلا تربيزة عصمت، ومع ذلك فهو يقوم بواجباته على أكمل وجه. ولهذا الانضباط بالتحديد مع الدقة والحرص والاخلاص وقع الاختيار على عصمت ليكون مديراً للمكتب التنفيذي لرئاسة الجمهورية بكل من فيها من الكبار، الرئيس ونوابه والوزير ووزراء الدولة بالرئاسة والمستشارون، ولم يخذلهم عصمت في صغيرة ولا كبيرة في ما يليه من اجراءات وتنفيذ لقرارات جمهورية وقرارات وزارية ولجان يأخذ بعضها برقاب بعض خاصة في الأعياد والزيارات والسفريات الرسمية الداخلية والخارجية وحتى المخاطبة الجماهيرية غير المكتوبة للرئيس ونوابه ومايرد فيها من التزامات يتابعها وينفذ مايلي القصر. ولم يتخلف عصمت بعد كل هذه المسؤوليات عن زملائه في الأفراح والأتراح ولم يعبس في وجه طالب خدمة أو سائل معونة من الرئاسة وقدم في القصر الجمهورى للعاملين خدمات لا تحصى بلا أي ضوضاء أو رياء أو سمعة. وكان على الدوام أول من يصل لمكتبه قبل كل العاملين من الفرَّاش أو الساعي أو السائق، لم يكن يسبقة أحد في الحضور ولم ينصرف بعده أحد، فقد كان أول الحاضرين وآخر المغادرين، وبنى لأهل الحي بمدينة النيل بأم درمان مسجداً رحباً جمع له التبرعات وكان سهمه فيها وافراً

أخذت الترتيبات الادارية والتنظيمية عصمت إلى منصب وكيل رئاسة الجمهورية وأشهد بأن الوظيفة هذه أتته منقادةً ولم يسع إليها البتة بل لم يكن حَفِيَّاً بهذا الترفيع فقد كان قانعاً بمنصب المدير التنفيذي في مكتب ضيق لا يسع معه إلا ضيفاً واحداً أو ضيفين. فى هذا القصر العتيد الواسع !!

كان عصمت دقيقاً جداً يقوم بتصوير أي مستند بنفسه ويحتفظ بملفات مرتبة يعرفها هو ويعرضها عند الطلب ببراعة متناهية ومعظمها مستندات مالية عالية الحساسية وهو يحترم الدورة المستندية إن لم يكن يقدسها ويحترم نفسه من أن يضعها موضع الشبهات والمال فتنة وهو يدير أموالاً عامة وبكل العملات ولم يكن أحد يسمع أو يحس منه بأي تفريط في المال العام .وكان يبقى في مكتبه الساعات الطوال حتى أصيب بالبواسير من طول الجلوس على الكرسي لكنه لم يكن يشتكي أو يتغيب أو يسافر للعلاج .

قبل الحرب علمتُ بأن عصمت مصاب بكسر فى المخروقة وهو في طريقه إلى مصر فأستقبلته في مطار القاهرة وهو على كرسي متحرك بصحبته ابنه الوحيد أحمد والسيدة حرمه أم أحمد، وأُجريت له العملية الجراحية التى حضرها معى الدكتور عبد الماجد هارون والدكتور محمد المختار حسن حسين ، وزرته بعد ذلك وهو في فترة النقاهة بمقر إقامته في فيصل بمصر، ولم أكن أعلم بأن تلك الزيارة ستكون آخر مرة أرى فيها وجهه الضاحك الصبوح .

احتفى عصمت بالطبيب الذي تولى الاشراف على علاجة الدكتور عبد العاطي المناعي عند زيارته للسودان وأكرم وفادته ودعى له بعض الزملاء من العاملين في القصر، الشئ الذى لم ينساه د. عبد العاطي المناعى، أبداً.

ثم نعى الناعي عصمت، كل نفس ذائقة الموت، وكان حتى آخر لحظات حياته يجلس أمام بيته يسلم على الناس ويسلمون عليه حتى أسلم الروح إلى بارئها فإلى جنات الخلد يا أب أحمد، وإنا لله وإنا اليه راجعون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى