رأي

المغتربون السودانيون .. الجيش الصامت الذي يحرس الجنيه من الإنهيار

نعمان يوسف محمد **

بينما كان الجنيه السوداني يهبط من موقع العملة القوية التي نافست الدولار والجنيه الإسترليني، إلى واحدة من أضعف العملات في المنطقة، كانت هناك قوة صامتة تعمل في الخلفية دون ضجيج: المغترب السوداني.

في الوقت الذي تعطلت فيه المصانع، وإنهارت الصادرات، وتراجعت الخدمات، وإشتعلت الحرب، لم يتوقف ملايين السودانيين بالخارج عن إرسال التحويلات إلى أسرهم داخل الوطن. ومع مرور الوقت، تحولت هذه التحويلات من دعم أسري إلى “شبكة أمان اقتصادية” حالت دون إنهيار اجتماعي شامل.

وبصراحة لا تحتمل التجميل، فإن جزءاً كبيراً من الاقتصاد السوداني اليوم كان يمكن أن يتوقف بالكامل لو إنقطعت هذه التحويلات فجأة.

من عملة قوية إلى اقتصاد يطارده الدولار:

عند الإستقلال عام 1956، كان الجنيه السوداني يعادل نحو 3.3 دولار، ويتفوق على الريال السعودي والجنيه المصري، ويقترب من الجنيه الإسترليني. كان اقتصاداً مختلفاً، وعملة ذات ثقة إقليمية.

لكن مع تراكم الأزمات، وصل المشهد اليوم إلى أرقام صادمة:

الدولار يساوي نحو 4,250 جنيها سودانياً جديداً، أي ما يقارب 4,250,000 جنيه بالقديم.

والريال السعودي نحو 1,100 جنيه سوداني، والجنيه المصري نحو 78 جنيهاً.

ولم تكن الصدمة في سعر الصرف فقط، بل في الحياة اليومية نفسها. فكيلو لحم الضأن الذي كان يباع بـ7 قروش في السبعينيات، أصبح اليوم بنحو 30,000 جنيه جديد (30 مليون بالقديم). وسندوتش الطعمية، رمز البساطة، وصل إلى نحو 2,000 جنيه (2 مليون بالقديم).

لم تعد المشكلة أرقاما في شاشات السوق، بل إنهياراً حقيقياً في القوة الشرائية ومعنى النقود ذاته.

الحرب التي جعلت المغترب “اقتصادا موازيا”:

منذ إندلاع الحرب، أصبحت تحويلات المغتربين، وعموم السودانيين بالخارج هي المصدر الفعلي لبقاء الحياة داخل آلاف البيوت السودانية. فهي لم تعد مجرد أموال، بل أصبحت غذاءاً، وعلاجاً، وإيجارات، ورسوم دراسة، ووسيلة بقاء يومي.

في كثير من الأسر، لا توجد حياة دون التحويل الشهري القادم من الرياض أو دبي أو القاهرة أو لندن أو واشنطن. وهكذا تحول المغترب إلى “اقتصاد مواز” يمنع الإنهيار الكامل.

والحقيقة القاسية أن توقف هذه التحويلات يعني صدمة اقتصادية واجتماعية قد تفوق كل ما شهده السودان حتى الآن.

4 ملايين مغترب .. وثروة خارج النظام المصرفي:

تشير التقديرات إلى وجود 3 إلى 4 ملايين سوداني بالخارج، بينما لا تتجاوز التحويلات الرسمية 900 مليون إلى 1.5 مليار دولار سنويا، وهو رقم لا يعكس الحقيقة الكاملة. فجزء كبير من الأموال يتحرك خارج النظام المصرفي عبر السوق الموازية والوسطاء.

وبحسابات بسيطة: إذا حول 3 ملايين مغترب فقط 100 دولار شهرياً، فهذا يعني 3.6 مليار دولار سنوياً. وإذا إرتفع المتوسط إلى 300 دولار، فقد تصل التدفقات إلى 10.8 مليار دولار سنوياً.

وهذه إرقام كفيلة – إذا دخلت عبر القنوات الرسمية – بإحداث تحول جذري في استقرار سعر الصرف، وتقليل المضاربات، ودعم الإحتياطي النقدي، وإستعادة جزء معتبر من قوة الجنيه. لكن الواقع أن هذه الثروة لا تزال خارج الإدارة الاقتصادية المنظمة.

لماذا تهرب الدولارات من البنوك؟

المشكلة ليست في المغترب، بل في البيئة التي تدفعه للبحث عن البديل، رسوم مرتفعة، فجوة سعر الصرف، بطء الإجراءات، ضعف الثقة، وغياب الشراكة الحقيقية .. كلها عوامل جعلت التحويلات تتجه إلى السوق الموازية.

المغترب لا يبحث عن شعارات وطنية، بل عن سعر عادل، وسرعة، وأمان. وعندما لا يجد ذلك داخل النظام الرسمي، يذهب إلى الخارج حتى لو كان ذلك مكلفاً على الاقتصاد الوطني.

الهجرة العشوائية .. نزيف العقول والدولارات:

لم تكن الهجرة السودانية يوما جزءاً من تخطيط اقتصادي. خرجت الكفاءات بلا تنظيم، بلا بيانات، وبلا ربط بين الهجرة وإحتياجات الدولة. فخسر السودان العقول أولاً، ثم خسر القدرة على إستثمار وجودها بالخارج.

ومع الوقت، تراجعت العلاقة بين الدولة والمغترب إلى علاقة مالية باردة، تقوم على الرسوم والطلبات دون شراكة حقيقية أو إحترام اقتصادي متبادل.

ما الذي يجب فعله؟

الأزمة لا تحل بالقرارات المؤقتة، بل بإعادة بناء فلسفة كاملة للهجرة والإغتراب بإعتبارها ملفاً اقتصادياً إستراتيجياً. والمطلوب هو الإنتقال من رؤية المغترب كـ”مصدر تحويلات” إلى المغترب كـ”شريك اقتصادي”، عبر:

– تنظيم الهجرة وفق إحتياجات أسواق العمل العالمية

– بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة

– ربط الهجرة بالتأهيل والتدريب

– حماية حقوق السودانيين بالخارج

– وفتح قنوات إستثمار آمنة وجاذبة

قوانين صارمة .. لكن بحوافز ذكية:

لا يمكن فرض التحويل عبر البنوك دون إصلاح البيئة نفسها. فالثقة لا تفرض بالقانون، بل تبنى بالمقابل العادل. والمطلوب ليس التضييق، بل:

– سعر صرف منافس

– إعفاءات جمركية مدروسة

– حسابات متعددة العملات

– أدوات إدخار وإستثمار للمغتربين

– تحويلات رقمية سريعة وشفافة

– مشاريع سكنية وإنتاجية موجهة لهم

– فالمعادلة بسيطة: لا دولارات بلا ثقة.

الدرس العالمي .. المغتربون يصنعون الإستقرار:

تجارب الهند والفلبين ومصر وباكستان تثبت أن تحويلات المغتربين ليست دعماً إستهلاكياً فقط، بل يمكن أن تتحول إلى قوة إستثمار وتمويل وإستقرار نقدي إذا أُحسنت إدارتها. فهذه الدول لم تنظر للمغترب كمولد تحويلات، بل كجزء من منظومة التنمية.

معركة الجنيه تبدأ من الثقة:

الجنيه السوداني لن يتعافى بالقرارات وحدها، بل بإستعادة الثقة في الدولة والاقتصاد. فالعملات لا تبنى بالطباعة، بل بالثقة والإنتاج والإستقرار وتدفق النقد الحقيقي.

وفي قلب هذه المعركة يقف المغترب السوداني كأهم قوة غير مستغلة، يمتلك المال والخبرة والإستعداد، لكنه ينتظر بيئة تحترمه وتعامله كشريك.

لقد أثبت السودانيون في الخارج، خلال الحرب والإنهيار، أنهم ليسوا مجرد مغتربين، بل “جيش اقتصادي صامت” منع سقوط الحياة بالكامل. لكن هذا الجيش لا يمكن أن يستمر دون رؤية وطنية تعترف به وتستثمره.

وفي النهاية، معركة الجنيه ليست معركة أرقام .. بل معركة ثقة. وإذا إستعاد السودان ثقته في أبنائه بالخارج، وإستعادوا ثقتهم في وطنهم، فإن التعافي لن يكون مستحيلاً، مهما كان الطريق طويلاً.

**مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى