التشخيص الخطأ والدواء الخطأ: أزمة الفكر الأفريقاني في قراءة واقع السودان

رمضان أحمد
من أخطر المشكلات التي تواجه النقاش الفكري والسياسي في السودان محاولة تفسير الواقع السوداني من خلال قوالب نظرية مستوردة من تجارب أخرى تختلف جذرياً في ظروفها التاريخية والاجتماعية. وهذا ما أراه في بعض أطروحات الفكر الأفريقاني في السودان في طرح الدكتور أبكر آدم إسماعيل مثلاً المتعلقة بقضايا المركز والهامش، حيث يتم في كثير من الأحيان إسقاط تجارب أفريقية معينة على السودان دون مراعاة الفروق الجوهرية بين هذه التجارب والواقع السوداني.
ولست أنكر أن قضية التهميش حقيقية في السودان، وأن هناك اختلالات كبيرة في توزيع السلطة والثروة والخدمات منذ الاستقلال، لكن الخلاف يكمن في تفسير جذور هذه المشكلة وطبيعة العلاج المناسب لها. فالتشخيص غير الدقيق يؤدي بالضرورة إلى وصف علاج غير مناسب، وقد تكون آثاره أكثر ضرراً من المشكلة الأصلية.
لقد تأثر كثير من المثقفين الأفارقة بأدبيات حركات التحرر التي نشأت في سياقات الاستعمار الاستيطاني والعنصرية المؤسسية. ففي جنوب أفريقيا مثلاً، كان نظام الفصل العنصري يقوم على قوانين واضحة ومعلنة تحرم الأغلبية السوداء من حقوقها السياسية والمدنية والاقتصادية بسبب لون البشرة. وكان هناك تمييز قانوني بين الأبيض والأسود في السكن والتعليم والتنقل والعمل والتمثيل السياسي.
وفي روديسيا السابقة (زيمبابوي حالياً)، احتكر المستوطنون البيض الأرض والسلطة لعقود طويلة، مما أدى إلى نشوء حركة تحرير وطنية ضد نظام استعماري واضح المعالم. وكذلك الحال في ناميبيا التي خضعت لنظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي، وفي بعض تجارب الاسترقاق والاستعمار التي تعرضت لها شعوب غرب أفريقيا ووسطها.
هذه التجارب أنتجت أدبيات سياسية وفكرية تقوم على ثنائية المستعمِر والمستعمَر، أو السيد والعبد، أو الأبيض والأسود. لكن السؤال الجوهري هو: هل تنطبق هذه الثنائية على السودان؟
من خلال التجربة السودانية يصعب الإجابة بالإيجاب. فالسودان لم يعرف نظاماً مشابهاً للأبارتايد الجنوب أفريقي، ولم تكن هناك قوانين تمنع مواطني إقليم معين من التعليم أو التوظيف أو الإقامة بسبب انتمائهم العرقي. كما أن التداخل الاجتماعي والثقافي والقبلي بين السودانيين ظل عميقاً عبر قرون طويلة.
أتذكر هنا تجربة شخصية عشتها في جنوب أفريقيا عندما كنت أعمل مترجماً فورياً في إحدى الورش التدريبية التي نظمها معهد أكورد حول بناء السلام، بمشاركة عدد من الناشطين السودانيين. كان من بين المشاركين شاب من جنوب السودان يحمل مشاعر غضب شديدة تجاه العرب والمسلمين في السودان، وكانت معظم مداخلاته تعكس نزعة انتقامية واضحة.
وخلال زيارة لمتحف الأبارتايد في جوهانسبيرغ، استمعنا إلى شروحات تفصيلية حول ممارسات النظام العنصري من حرمان للحقوق الأساسية وقيود على الحركة والسكن والعمل والتعليم. وبعد انتهاء الزيارة بدا الشاب مذهولاً وصامتاً على غير عادته. ثم قال جملة لا تزال عالقة في ذهني: “إذا كان هذا هو الظلم الذي تعرض له السود هنا، فإن ما حدث لنا في السودان شيء مختلف تماماً”.
لقد دفعته المقارنة المباشرة إلى إعادة النظر في كثير من تصورات سابقة كان يتبناها حول طبيعة الصراع السوداني. فالفارق بين التهميش السياسي أو التنموي وبين العنصرية المؤسسية المنظمة فارق جوهري لا يجوز تجاهله.
إن مشكلة السودان في جوهرها ليست مشكلة استعمار داخلي بالمعنى الذي عرفته بعض التجارب الأفريقية، وإنما هي مشكلة بناء دولة وطنية فشلت نخبها السياسية في إدارتها منذ الاستقلال.
فبعد خروج الاستعمار لم تنجح النخب السودانية في تأسيس مفهوم حديث للمواطنة والدولة. وبدلاً من ذلك تحول الآباء المؤسسون إلى أسياد وأصبح بقية الشعب مجرد أتباع، فغاب مفهوم الدولة والشعب منذ ذلك الحين. وورثت الثقافة السياسية أنماط الولاء التقليدي والطائفي والجهوي، وتحولت الأحزاب إلى تجمعات تدور حول الزعامات والأفراد أكثر مما تدور حول البرامج والمشروعات الوطنية.
ولهذا السبب أصبح الصراع السياسي في السودان يدور غالباً حول من يحكم، لا حول كيف يُحكم السودان. وأصبح التنافس على السلطة بديلاً عن التنافس بين الرؤى والأفكار، في غياب تام للمشروع الوطني.
كما أن النخبة السياسية التي تركزت في الخرطوم نظرت إلى السودان من نافذة العاصمة، ولم تبذل جهداً كافياً لفهم الاحتياجات المختلفة للأقاليم المتنوعة. فمشكلات دارفور ليست هي مشكلات الشرق، وتحديات كردفان تختلف عن تحديات الشمالية أو النيل الأزرق أو جنوب النيل الأبيض. لكن السياسات العامة ظلت في معظم الأحيان تُصاغ بعقلية مركزية تفترض أن ما يصلح للخرطوم يصلح تلقائياً لبقية البلاد، بل حتى أن النظام التربوي لا يعرف السودانيين على بعضهم البعض وعلى ثقافاتهم المختلفة وإنما يرتكز على العاصمة فقط.
ومن هنا نشأ الإحساس بالتهميش الذي تشترك فيه معظم الأقاليم بدرجات متفاوتة. فليس التهميش حكراً على مجموعة إثنية أو جهة جغرافية بعينها، بل هو نتيجة خلل بنيوي في إدارة الدولة وتوزيع الموارد والفرص.
وإذا نظرنا إلى تجارب أفريقية ناجحة نسبياً، نجد أنها لم تتجاوز أزماتها عبر تعميق الانقسامات الهوياتية، بل عبر بناء مؤسسات وطنية جامعة. فغانا مثلاً تضم عشرات المجموعات الإثنية واللغوية، ومع ذلك نجحت إلى حد كبير في ترسيخ مفهوم المواطنة والمؤسسات. ورواندا، رغم المآسي الهائلة التي شهدتها في التسعينيات، اتجهت بعد الإبادة الجماعية نحو خطاب وطني يسعى إلى تجاوز التصنيفات العرقية بدلاً من إعادة إنتاجها. أما تنزانيا فقد نجح جوليوس نيريري في بناء هوية وطنية جامعة عبر اللغة السواحيلية والمؤسسات العامة، رغم التنوع القبلي الكبير. وهناك عدد كبير جداً لا يسع المجال لذكره من البلاد الأفريقية التي تجاوزت الانقلابات العسكرية ودائرة النخب السياسية إلى حكم المؤسسات الدستورية ترسيخاً لمفهوم المواطنة.
إن المشكلة في بعض الخطابات الأفريقانية أنها تركز على إنتاج المظلومية أكثر من تركيزها على إنتاج الحلول. فهي تنجح في تشخيص بعض جوانب الأزمة لكنها غالباً ما تتوقف عند حدود الإدانة والاتهام وإعادة إنتاج مشاعر الغضب والمرارات التاريخية.
أما الفكر المثمر فهو ذلك الذي يحول الإحساس بالظلم إلى مشروع عملي للإصلاح، ويحول التنوع إلى مصدر قوة لا إلى وقود للصراع. فالسودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الاستقطاب بين عرب وأفارقة أو بين مركز وهامش، بقدر ما يحتاج إلى أفكار جديدة حول التنمية المتوازنة، واللامركزية الفعالة، وإدارة التنوع، وبناء المؤسسات، وإطلاق طاقات الشباب.
كما أن التركيز المفرط على الانتماءات القبلية والجهوية أصبح أقل جدوى في عالم يتغير بسرعة هائلة بفعل ثورة الاتصالات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. فالدول التي تحقق التقدم اليوم لا تفعل ذلك بسبب تجانسها الإثني، وإنما بسبب قدرتها على استثمار تنوعها البشري وتحويله إلى قيمة مضافة.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس: من هو الضحية ومن هو الجلاد؟ وإنما: كيف نبني دولة قادرة على استيعاب الجميع؟ وكيف نحول التنوع السوداني من مصدر للنزاع إلى مصدر للقوة؟ وكيف ننتقل من عقلية الصراع على السلطة إلى عقلية بناء الدولة؟
فالسودان يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون من أكثر الدول الأفريقية تقدماً وازدهاراً، لكن ذلك لن يتحقق عبر استدعاء صراعات الآخرين وإسقاطها على واقعنا، بل عبر فهم مشكلاتنا كما هي، والبحث عن حلول تنبع من خصوصية التجربة السودانية نفسها.



